[ج 1: ص 229] واستشار معاوية أصحابه في مُحَمَّد بْن أبي بكر، وكان واليًا على مصر، فأجمعوا على المسير إليه، فخرج عمرو بْن العاص في أربعة آلاف فيهم أبو الأعور السلمي ومعاوية بْن حديج، فالتقوا بالمسناة وقاتلوا قتالا شديدًا، وقتل كنانة بْن بشر بْن عتاب التجيني، وانهزم مُحَمَّد بْن أبي بكر وقاتل حتى قتل، وقد قيل: إنه أدخل في جوف حمار ميت، ثم أحرق بالنار. فلما بلغ عليًا سرور معاوية بقتله قال: لقد حزنا عليه بقدر سرورهم بقتله، ثم ولى علي الأشتر على مصر. ومات صهيب بْن سنان. فلما بلغ معاوية خبر مسير الأشتر إلى مصر قال: إنه ليأتي وعامة أهل مصر أهل اليمن وهو يماني، وكتب إلى دهقان بالعريش: إن احتلت في الأشتر فلك علي أن أخرج خراجك عشرين سنة، فقدم الأشتر على امرأة من حمير يقال لها ليلي بنت النعمان، فتطلف له الدهقان وسأله: أي الشراب أحب إليك؟ قال: العسل، قال: عندي عسل من عسل برقة لم ير مثله، ثم قدمه إليه فسقته منه، فمات من ساعته. فبلغ ذلك معاوية فقال: إن لله جنودًا في العسل. ومات صفوان ابن بيضاء في رمضان وكان قد شهد بدرًا، ومات سهل بْن حنيف بالكوفة وصلى عليه. وحج بالناس قثم بْن العباس. فلما دخلت السنة التاسعة والثلاثون استعمل علي يزيد بْن حجية التميمي على الري، ثم كتب إليه بعد مدة أن أقدم، فقدم على علي فقال له: أين ما غللت من مال اللَّه؟ قال: ما غللت، فخفقه بالدرة خفقات وحبسه في داره، فلما كان في بعض الليالي قرب يزيد البواب وما حله، ولحق بالرقة وأقام بها حتى أتاه إذن معاوية، فلما بلغ عليا لحوقه معاوية قال: اللهم إن يزيد أذهب بمال المسلمين ولحق بالقوم الظالمين، اللهم، فاكفنا مكره وكيده. ثم وجه معاوية خيلا فيهم الضحاك بْن قيس الفهري، وسفيان بْن عوف الدابري، فأغار سفيان على الأنبار وفيها مسلحة لعلي، فلما بلغ عليا خروجهم خرج من بيته والناس في المسجد، فلما رأوه صاحوا، قال: اسكتوا اسكتوا، فلما سكتوا قال: شاهت الوجوه! شاهت الوجوه! إن قلت: نعم، قلتم: لا، وإن قلت: لا، قلتم: نعم، إن استنفرتكم في الحر قلتم: الحر شديد، فإذا جاء الشتاء نفرنًا، وإذا جاء الشتاء واستنفرتكم قلتم: البرد شديد، وإذا كان الصيف نفرنًا، إن عدوكم يجد من الهناء ما تجدون، ولكن لا رأي لمن لا يطاع، وددت أن لي بجماعتكم ألف فارس. ثم بعث معاوية بسر بْن أرطاة، أحد بني عامر بْن لؤي، في جيش من أهل الشام إلى