[ج 1: ص 221] فلما دخلت السنة السادسة والثلاثون تشاوروا في مسيرهم، فقال الزبير: عليكم بالشام، بها الأموال والرجال، وقال ابْن عامر: البصرة، فإن غلبتهم عليها فلكم الشام، إن معاوية قد سبقكم إلى الشام، وهو ابن عم عثمان، وإن البصرة لي بها صنائع، ولأهلها في طلحة هوى، وكانت عائشة تقول: نقصد المدينة، فقالوا لها: يا أم المؤمنين! دعي المدينة فإن من معك لا يقرنون لتلك الغوغاء، واشخصي معنا إلى البصرة، فإن أصلح اللَّه هذا الأمر كان الذي نريد، وإلا فقد بلغنا ويقضى اللَّه فيه ما أحب، وكلموا حفصة ابنة عمر أن تخرج معهم، فقالت: رأيي تبع لرأي عائشة، فأتاها عَبْد اللَّه بْن عمر فناشدها اللَّه أن تخرج، فقعدت، وبعث إلى عائشة أن أخي حال بيني وبين الخروج، فقالت: يغفر اللَّه لابن عمر. ثم نادى منادي طلحة والزبير من كان عنده مركب وجهاز، وإلا فهذا جهاز ومركب؛ فحملوا على ستمائة ناقة سوى من كان له مركب، وكانوا نحو ألف نفس، وتجهزوا بالمال، وشيعهم نساء النبي صلى الله عليه وسلم وكان كلهن بمكة حاجات إلا أم سلمة، فإنها سارت إلى المدينة، فلما بلغوا ذات عرق، ودعت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وبكين وبكى الناس، فما رأوا بكاء أكثر من ذلك اليوم، وسمي يوم النحيب، وجعلن يدعون على قتلة عثمان الذين سفكوا في حرم رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الدم الحرام، ثم انصرفن، ومضت عائشة وهي تقول: اللهم إنك تعلم أني لا أريد إلا الإصلاح فأصلح بينهم!. وبعثت أم الفضل حين خرجت عائشة ومن معها من مكة إلى علي رجلا من جهينة، قالت: اقتل في كل مرحلة بعيرا، وعلى ثمنه وهذه مائة دينار وكسوة، وكتبت معه أما بعد، فإن طلحة، والزبير، وعائشة خرجوا من مكة يريدون البصرة. فقدم المدينة، وأعطى عليا الكتاب، فدعى علي مُحَمَّد بْن أبي بكر، فقال له: ألا ترى إلى أختك خرجت مع طلحة، والزبير؟ فقال مُحَمَّد بْن أبي بكر: إن اللَّه معك ولن يخذلك، والناس ناصروك. ثم قام علي فحمد اللَّه، وأثنى عليه ثم قال: يا أيها الناس! تهيئوا للخروج إلى قتال أهل الفرقة، فإني سائر إن شاء اللَّه، إن اللَّه بعث رسولا صادقا بكتاب ناطق، وأمر واضح لا يهلك عنه إلا هالك، وإن في سلطان اللَّه عصمة أمركم فأعطوه طاعتكم، وقد قال رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"إن الإسلام ليأرز إلى المدينة، كما تأرز الحية إلى جحرها"، انهضوا إلى هؤلاء الذين يريدون تفريق جماعتكم، لعل اللَّه يصلح بكم ذات البين. وبعث علي الحسن بْن علي، وعمار بْن ياسر إلى الكوفة، لاستنفارهم، فلما قدموا