[ج 1: ص 216] التسليم، كما اختار هذه الأشياء، فأذهبت الشورى بالهوى، والتسليم بالشك، وقد تشاورنا فرضينا عليا، وأما إن قتل عثمان فأمره إلى اللَّه. فلما رأى علي اختلاف الناس في قتل عثمان صعد المنبر فحمد اللَّه وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس! أقبلوا علي بأسماعكم وأبصاركم، إن الناس بين حق وباطل، فلئن علا أمر الباطل لقديما ما فعل، وإن يكن الحق قد غاب فعل، وإني أخاف أن أكون أنا وأنتم قد أصبحنا في فتنة وما علينا فيها إلا الاجتهاد، الناس اثنان وثلاثة لا سادس لهم: ملك طار بجناحيه، أو نبي أخذ اللَّه بيده، أو عامل مجتهد، أو مؤمل يرجو، أو مقصر في النار؛ وإن اللَّه أدب هذه الأمة بأدبين: بالسيف والسوط، لا هوادة عند السلطان فيهما، فاستتروا واستغفروا اللَّه فأصلحوا ذات بينكم. ثم نزل وعمد إلى بيت المال، وأخرج ما فيه، وفرقه على المسلمين، ثم بعث إلى سعد بْن أبي وقاص، وعبد اللَّه بْن عمر، ومحمد بْن مسلمة، فقال: لقد بلغني عنكم هنات، فقال سعد: صدقوا لا أبايعك، ولا أخرج معك حيث تخرج حتى تعطيني سيفا يعرف المؤمن من الكافر، وقال له ابْن عمر: أنشدك اللَّه والرحم! أن تحملني على ما لا أعرف، والله لا أبايع حتى يجتمع المسلمون على من جمعهم اللَّه عليه، وقال مُحَمَّد بْن مسلمة: إن رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أمرني إذا اختلف أصحابه، ألا أدخل فيما بينهم، وأن أضرب بسيفي صخر أحد، فإذا انقطع، أقعد في بيتي حتى يأتيني يد خاطئة أو منية قاضية، وقد فعلت ذلك. ثم دعا علي أسامة بْن زيد، وأراده على البيعة، فقال أسامة: أما البيعة، فإنني أبايعك أنت أحب الناس إلي، وآثرهم عندي، وأما القتال فإني عاهدت رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أن لا أقاتل رجلا يشهد أن لا إله إلا اللَّه. فلما رآهم علي مختلفين، قال: أخرجوني من هذه البيعة، واختاروا لأنفسكم من أحببتم فسكتوا، وقاموا، وخرجوا، فدخل عليه المغيرة بْن شعبة، فقال: يا أمير المؤمين! إني مشير عليك بخلال ثلاث، فافعل أيها شئت، فقال: ما هي يا أعور؟ فقال: إني أرى من الناس بعض التثاقل فيك، فأرى أن تأتي بجمل ظهر فتركبه، وتركض في الأرض هاربا من الناس، فإنهم إذا رأوا ذلك منك ابتاعوا جمالا أظهر من جمالك، وخيولا، ثم ركضوا في أثرك حتى يدركوك حيث ما كنت، ويقلدوك هذا الأمر على اجتماع منهم شئت أو أبيت، فإن لم تفعل هذا فأقر معاوية على الشام كله، واكتب إليه كتابا بذلك تذكر فيه من شرفه وشرف آبائه، وأعلمه أنك ستكون له خيرا من عمر، وعثمان، واردد عمرو بْن العاص على مصر، واذكر في كتابك شرفه وقدمه، فإنه رجل يقع الذكر منه موقعا، فإذا ثبت الأمر أذنت لهما حينئذ في القدوم عليك تستخبرهما، عن البلاد، والناس، ثم تبعث بعاملين، وتقرهما عندك؛