فهرس الكتاب

الصفحة 126 من 2405

[ج 1: ص 144] وأما كعب بْن مالك فكان أشب القوم وأجلدهم، وكان يخرج ويشهد الصلاة مع المسلمين ويطوف في الأسواق، ولا يكلمه أحد، ويأتي رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ويسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، ويقول في نفسه: هل حرك شفتيه يرد السلام على أم لا؟ ثم يصلي قريبا منه ويسارقه النظر، فإذا أقبل كعب على صلاته نظر إليه رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وإذا التفت نحوه أعرض عنه، حتى طال ذلك عليه من جفوة المسلمين، ثم مر كعب تسور جدار أبي قتادة، وهو ابن عمه وأحب الناس إليه، فسلم عليه فلم يرد عليه السلام، فقال له: يا أبا قتادة! أنشدك اللَّه هل تعلم أني أحب اللَّه ورسوله؟ فسكت فعاد ينشده فسكت، فعاد ينشده، فقال: اللَّه ورسوله أعلم، ففاضت عينا كعب ووثب فتسور الجدار، ثم غدا إلى السوق، فبينا هو يمشى وإذا نبطي من نبط الشام يسأل عنه ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة وهو يقول: من يدل على كعب بْن مالك؟ فجعل الناس يشيرون إليه حتى جاء كعب فدفع إليه كتابا من مالك غسان في سرقة حرير فيه: أما بعد فإنه بلغنا أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك اللَّه بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك. فلما قرأ كعب الكتاب، قال: وهذا من البلاء أيضا، قد بلغ بي ما وقعت فيه أن طمع في رجل من أهل الشرك، ثم عمد بالكتاب إلى تنور فسجره به، ثم أقام عليه ذلك حتى إذا مضى أربعون ليلة أتاه رسول رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فقال: إن رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقال كعب: أطلقها، أم ماذا؟ قال: بل أعتزلها، ولا تقربها، وأرسل إلى مرارة، وهلال بمثل ذلك، فقال كعب لامرأته: الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي اللَّه في هذا الأمر ما هو قاض. وجاءت امرأة هلال بْن أمية فقالت: يا رسول اللَّه! إن هلال بْن أمية شيخ كبير ضائع لا خادم له، أفتكره أن أخدمه؟ قال:"لا، ولكن لا يقربنك"، قالت: والله يا رسول اللَّه ما به من حركة! والله ما زال يبكى منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا، والله لقد تخوفت على بصره؛ فلبثوا بعد ذلك عشر ليال حتى كمل خمسون ليلة من حين نهى رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامهم، فصلى كعب بْن مالك الصبح على ظهر بيت من بيوته على الحال التي ذكر اللَّه منه، ضاقت عليه الأرض برحبها، وضاقت عليه نفسه، إذ سمع صوت صارخ أوفى على سلع يقول بأعلى صوته: يا كعب بْن مالك! أبشر! فخر كعب لله ساجدا، وعرف أنه قد جاء الفرج، وأخبر رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الناس بتوبة اللَّه عليهم حين صلى الصبح، ثم جاء كعبا الصارخ بالبشرى، فنزع ثوبيه فكساهما إياه ببشارته، واستعار ثوبين فلبسهما، ثم انطلق يؤم رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وتلقاه الناس يهنئونه بالتوبة، ويقولون: ليهنك توبة اللَّه عليك! حتى دخل المسجد ورَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم جالس حوله الناس، فقام إليه طلحة بْن عبيد اللَّه فحياه وهنأه،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت