[ج 1: ص 141] السحاب فأمطر حتى ارتوى الناس وتوضئوا. ثم إن رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نزل في بعض المنازل فضلت ناقته، فخرج أصحابه في طلبها، فقال بعض المنافقين: أليس مُحَمَّد يزعم أنه نبي ويخبركم بخبر السماء، وهو لا يدري أين ناقته؟! فقال رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"والله ما أعلم إلا ما علمني اللَّه! وقد علمني أنها في الوادي بين شعب كذا وكذا قد حبستها شجرة بزمامها"، قال:"فانطلقوا حتى تأتوا بها"، فذهبوا فجاءوا بها. ثم سار رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فجعل يتخلف عنه الرجل فيقولون: والله يا رسول اللَّه تخلف فلان! فيقول:"دعوه فإن يكن فيه خير فسيلحقه اللَّه بكم"، حتى قيل له: يا رسول اللَّه تخلف أبو ذر وأبطأ به بعيره! فقال:"دعوه فإن يك فيه خير فسيلحقه اللَّه بكم"، فلما أبطأ على أبي ذر بعيره أخذ متاعه على ظهره، وترك بعيره، ثم خرج يتبع أثر رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ماشيا. ونزل رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم في بعض منازله، فنظر ناظر من المسلمين فقال: يا رسول اللَّه! رجل على الطريق يمشى وحده، فقال رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"كن أبا ذر"، فلما تأمله القوم قالوا: يا رسول اللَّه هذا والله أبا ذر! فقال رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"رحم اللَّه أبا ذر يعيش وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده"؛ فانتهى رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إلى تبوك، فلما أتاها أتاه يحنة بْن رؤبة صاحب أيلة، وصالح على رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وأعطاه الجزية، وأتاه جرباء وأذرح فأعطوا الجزية، وكتب رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كتابا وهو عندهم، فكتب ليحنة بْن رؤية"بسم اللَّه الرحمن الرحيم، هذه أمنة من اللَّه من مُحَمَّد النبي صلى الله عليه وسلم ليحنة بن رؤية وأهل بلده وسيارته في البر والبحر، فهم في ذمة اللَّه وذمة مُحَمَّد النبي صلى الله عليه وسلم ومن كان معهم من أهل الشام وأهل اليمن وأهل البحر، فمن أحدث منهم حدثًا فإنه لا يحول ماله دون نفسه، وإنه طيب للناس ممن أخذه، وإنه لا يحل أن يمنعوا ماء يردونه، ولا طريقًا يريدونه من بر وبحر"، وكتب جهيم بْن الصلت بأمر رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لأهل جرباء وأذرح:"بسم اللَّه الرحمن الرحيم، هذا كتاب من مُحَمَّد النبي صلى الله عليه وسلم لأهل أذرح آمنون بأمان اللَّه وأمان مُحَمَّد، وأن عليهم مائة دينار في كل رجب وافية طيبة، والله كفيل عليهم بالنصح والإحسان، ومن لجأ إليهم من المسلمين". وقد كان أبو خيثمة أحد بني سلام رجع بعد أن خرج رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى أهله في يوم حار، فوجد امرأتين له في عريشين لهما في حائط قد رشت كل واحدة منهما عريشها وبردت له فيه ماء وهيأت له فيه طعاما، فلما دخل أبو خيثمة قام على باب العريشين ونظر إلى امرأتيه وما صنعتا له، فقال: رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في الريح والحر، وأبو خيثمة في ظلال باردة وطعام مهيأ وامرأة حسناء في ماله مقيم، ما هذا بالنصف؟ ثم قال: والله لا أدخل عريش واحدة منكما