ومن الرايات العميّة الجاهلية (راية الوطنية) ،وهي أشد تفشيًا، وخصوصًا بعد أحداث العنف، ومن أخطر الدعوات على أساس هذه الراية، قول من يقول: ليتخل كل منا عن الدعوة لعقيدته، ولنجتمع على القضايا المادية للوطن! هذه الدعوة يرددها البعض اليوم بصيغة شبه صريحة!
وقد نبه الشيخ ابن باز -عليه رحمات الله- على هذه الراية الوطنية مبكرًا، حين كتب كتابه في مسألة فكرية معاصرة، وهو كتاب (نقد القومية العربية) ،وهو كتاب يثير في كوامن النفوس أمورًا كثيرة، حين يرى طالب العلم هذا العالم العامل كيف ينزل للساحة الفكرية، ويقارع التيارات الفكرية المنحرفة بعزة المسلم وعمق العالم، يقول الشيخ ابن باز:
(الواجب أن يكرسوا جهودهم للدعوة إلى الإسلام، والدعوة إلى تحكيمه، بدلا من الدعوة إلى قومية أو وطنية) [ابن باز، نقد القومية العربية على ضوء الإسلام، ص30]
وهذا الكتاب لابن باز في معالجة مذهب فكري معاصر له، وهو (القومية) ،يذكرني بكتاب آخر لخاتمة الفقهاء الإمام ابن عثيمين حيث كتب كتابًا في مذهب فكري معاصر له، وهو (الاشتراكية) ،وتفنن الشيخ فيه، فذكر فيه سبعين دليلًا على بطلان النظرية الاشتراكية! وأكثرها لم يسبق إليها، وقد كتبه الشيخ في عام 1381هـ، فانظر لهذين الإمامين، زهرتا هذه البلاد، كيف يهتمان بالواقع الفكري المعاصر لهما، ويحاكمانه إلى القرآن والسنة.
حسنًا، دعنا نعود لموضوعنا، ففي موضع آخر تحدث الشيخ ابن باز حول حضور هذه الراية الوطنية في الحروب:
(وعلِّقوا النصر بأسبابه التي علقه الله بها , لا بالعروبة، ولا بالوطنية، ولا بالقومية، ولا بأشباه ذلك من الألفاظ والشعارات التي ما أنزل الله بها من سلطان) [ابن باز، مجموع فتاواه]
وقد أشار الشيخ ابن عثيمين إلى الأثر الذي يريده دعاة الوطنية، حيث يقول:
(الواجب يا إخواني ألا نكون وطنيين وقوميين، أي: ألا نتعصب لقومنا ولوطننا، لأن التعصب الوطني قد ينضم تحت لوائه المؤمن والمسلم والفاسق والفاجر والكافر والملحد