والذي حاربوه ودافعوه بكل ما يملكون من قوة وحيلة، والذي عذبوا أهله عذابًا شديدًا وهم ضعاف في مكة، ثم قاتلوهم قتالًا عنيدًا وهم أقوياء في المدينة .. ولم تكن الدعوة في أول عهدها في وضع أقوى ولا أفضل منها الآن .. كانت مجهولة مستنكرة من الجاهلية، وكانت محصورة في شعاب مكة، مطاردة من أصحاب الجاه والسلطان فيها، وكانت غريبة في زمانها في العالم كله. وكانت تحف بها امبراطوريات ضخمة عاتية تنكر كل مبادئها وأهدافها. ولكنها مع هذا كله كانت قوية، كما هي اليوم قوية، وكما هي غدًا قوية .. إن عناصر القوة الحقيقية كامنة في طبيعة هذه العقيدة ذاتها، ومن ثَمَّ فهي تملك أن تعمل في أسوأ الظروف وأشدها حرجًا. إنها تكمن في الحق البسيط الوضاح الذي تقوم عليه. وفي تناسقها مع الفطرة التي لا تملك أن تقاوم سلطانها طويلًا، وفي قدرتها على قيادة البشرية صعدًا في طريق التقدم، في أية مرحلة كانت البشرية من التأخر أو التقدم الاقتصادي والاجتماعي والعلمي والعقلي .. كما أنها تكمن في صراحتها هذه وهي تواجه الجاهلية بكل قواها المادية فلا تخرم حرفًا واحدًا من أصولها، ولا تربت على شهوات الجاهلية، ولا تتدسس إليها تدسسًا. إنما تصدع بالحق صدعًا مع إشعار الناس بأنها خير ورحمة وبركة ..
والله الذي خلق البشر يعلم طبيعة تكوينهم ومداخل قلوبهم ويعلم كيف تستجيب حين تصدع بالحق صدعًا. في صراحة وقوة. بلا تلعثم ولا وصوصة [1] !
إن النفس البشرية فيها الاستعداد للانتقال الكامل من حياة إلى حياة. وذلك قد يكون أيسر عليها من التعديلات الجزئية في أحيان كثيرة .. والانتقال الكامل من نظام حياة إلى
(1) - الوَصْوَصُ والوَصْوَاصُ"الأَخِيرُ عن اللَّيْث وعلى الأَوَّل اقْتَصَرَ الجَوْهَرِيُّ:"خَرْقٌ"- وفي الصّحاح: ثَقْبٌ - في"السِّتْرِ"ونَحْوِه"بمِقْدَارِ عَيْنٍ تَنْظُر فيه".قال: ..."في وَهَجَانٍ يَلِجُ الوَصْوَاصَا"ووَصْوَصَ: نَظَرَ فِيهِ".وَصْوَصَ"الجِرْوُ: فَتَح عَيْنيْه"كبَصْبَصَ عن ابنِ عَبّادٍ. وَصْوَصَت"المَرأَةُ: ضَيَّقَتْ نِقَابَهَا"فَلَمْ يُرَ منه إِلاَّ عَيْنَاهَا. وقال الفَرَّاءُ: إِذا أَدْنَت المَرْأَةُ نِقَابَهَا إِلى عَيْنيْهَا فتِلْكَ الوَصْوَصَةُ"كوَصَّصَتْ"تَوْصِيصًا. قال أَبْو زيْدٍ: النِّقَابُ على مَارِنِ الأَنْفِ. والتَّرْصِيصُ لا يُرَى إِلا عَيْنَاهَا. وتَمِيمٌ تَقُولُ. هو التَّوْصِسصُ بالوَاو وقد رَصَّصَتْ ووَصَّصَت. وقال الجوهَرِيُّ: التَّوْصِيصُ في الانْتِقابٍ مِثْلُ التَّرْصِيصِ."والوَصَاوِصُ: بَرَاقِعُ صِغَارٌ تَلبَسُها الجارِيَةُ"جَمْعُ وَصْوَاصٍ. وفي الصّحاح: الوَصْوَاصُ: البُرْقُعُ الصَّغِيرُ"تاج العروس - (1/ 4556) ولسان العرب - (1/ 239) وكتاب العين - (7/ 177) "