لفضله ولعدله ولبذله وحسن معتقده، فأعذب موردي، وأنجح مقصدي، وكانت مجالسه مزينة بحضور العلماء والفضلاء، تفتح بالتلاوة ثم الحديث، ثم يدعو هو، وكان يجيد حفظ القرآن، ويحفظ الحديث، ويتكلم في الفقه، ويناظر، وينسبونه إلى مذهب الظاهر. وكان فصيحًا، مهيبًا، حسن الصورة، تامَّ الخلافة، لايُرى منه اكفهرارٌ، ولا عن مجالسه إعراض، بزيِّ الزهاد والعلماء، وعليه جلالة الملوك، صنف في العبادات، وله"فتاوٍ"، وبلغني أن السودان [1] قدّموا له فيلًا فوصلهم، وردّه، وقال: لانريد أن نكون أصحاب الفيل وكان يجمع الزكاة ويفرقها بنفسه، وعمل مكتبًا للأيتام، فيه نحو ألف صبيٍّ، وعشرة معلمون. حكى لي بعض عُماله: أنه فرق في عيد نيَّفا وسبعين ألف شاة [2] .
وكان يهتم بطلاب العلم الذين يأتون من الآفاق وقال ذات مرة: يا معشر الموحدين، أنتم قبائل، فمن نابه أمرٌ، فزع إلى قبيلته، وهؤلاء - يعني طلبة العلم - لا قبيل لهم إلا أنا، فعظموا عند الموحدين [3] .
وكان يجمع الأيتام في العام، فيأمر للصبي بدينار وثوب ورغيف ورمانة واهتم بالمرضى وبنى لهم مارستان وغرس فيه من جميع الأشجار، وزخرفه وأجرى فيه المياه، ورتب له كل يوم ثلاثين دينارًا للأدوية، وكان يعود المرضى في الجمعة [4] .
(1) تطلق على بلاد غرب افريقيا وجنوب الشمال الافريقي سابقًا.
(2) انظر: سير اعلام النبلاء (21/ 314) .
(3) المصدر السابق نفسه.
(4) المصدر السابق (21/ 315) .