ولقد كنت أخشى أن نجد فيهم شعبًا متخاذلًا جبانًا، ولكن الأمر كان لحسن الحظ عكس ذلك، فالشيوخ والزعماء مستقيمون في معاملاتهم، عادلون في أحكامهم، يتصفون بالشجاعة والصراحة. نعم إن وقت التخلص من الاضطهاد قد جاء وكان مجيئه في الوقت المناسب -قبيل فوات الأوان- فلو تأخر الخلاص نصف جيل لتمت عملية تحويل الشباب العربي الى خدم أذلاء لايطاليا.
ولو سئلت عن أهم ما يستلفت النظر في برقة لقلت انه النشاط العجيب والعزيمة الماضية يتحلى بها قوم يجمعهم دين واحد، وتجمعهم شجاعة يمتاز بها كل واحد منهم ومقاومة مستمرة للاضطهاد، فقد مضى عليهم ثلاثون عامًا وهم يقاسون الأهوال، وترك ذلك في نفوسهم أثرًا سيئًا فهم لايتحلون باللطف الزائد والدماثة التي يتحلى بها العرب في سائر الاقطار، وتنقصهم خبرة الآخرين ومعارفهم، أما التقاليد العربية القديمة وأعني بها الكرم والشجاعة فلا ينازعهم فيها منازع [1] .
وأما الاستاذ (ف. بنيكوف) فقد القى محاضرة أذيعت في محطة لندن اللاسلكية في 31 مايو 1947م بعنوان عرب ليبيا الكرام جاء فيها: اشتركت في القتال أثناء الحرب الماضية بين بلدان مختلفة مدة خمس سنوات متوالية ومازلت أستعيد ذكراها جميعًا بالغبطة والسرور لا لشيء سوى لأني رجل حرب وقتال ونزال ولكن المدة التي أحمل لها أطيب الذكريات هي تلك التي قضيتها في برقة بين الاحتلال البريطاني الثاني للجبل الاخضر وتحرير البلاد نهائيًا بعد معركة العلمين ومن أسباب ذلك أنني وإن كنت إنكليزيًا وربيت في انكلترا على الطريقة الانكليزية إلا أني أجد الحياة مع العرب في الجبل الاخضر أخف ظلًا واسعدها حالًا من الحياة في إحدى المدن الغربية الكبيرة، وهناك سبب آخر هو أني وثقت عرى الصداقة مع بعض رجال القبائل العربية هناك، وهم رجال يمتازون بذكاء ووقار وشجاعة عظيمة وخلال سامية وأخلاق فاضلة ولا تقل منزلتهم في نفسي عن منزلة أي شخص آخر من بنى وطني وجلدتي.
(1) انظر: ميلاد دولة ليبيا الحديثة، د. محمد فؤاد شكري، ص107، 108.