فهرس الكتاب

الصفحة 136 من 805

وذات مرة قال لأحد شيوخ القبائل، أن النابولتان سيغزوا هذا البلد ويقف أهلها للدفاع عنها موقفًا مشرفًا، وسيتخذ النابولتان جميع الوسائل لاخضاعهم، ومن بين هذه الوسائل سيقدمون الأموال للأغراء فماذا أنتم فاعلون في هذه الحالة؟ فقال الشيخ: أننا سنأخذ المال وننثنى عليهم نقاتلهم، فكان جواب ابن السنوسي: من يقبل هديتهم لايقاتلهم، وقد صحّ ذلك كله فعلًا [1] .

وكان يتصيد الفرص لبيان أهمية الاستعداد، وجمع الذخائر، والاحتفاظ بها لوقت الحاجة، فعندما وصل الى العزيات عام 1269هـ قادمًا من الحجاز وأخذت وفود القبائل تتوافد على زيارته من جميع أنحاء برقة وطرابلس زرافات ووحدانا، وكان من تقاليد البدو في مثل هذه الحالة أنهم يطلقون الأعيرة النارية من بنادقهم دليلًا على فرحهم وابتهاجهم، وفي ليلة من الليالي كان يتصدر مجلسًا من الأخوان وشيوخ الزوايا وزعماء العشائر وذلك بعد صلاة العشاء، فسمع طلقًا متواصلًا من البارود، وسأل عن السبب فقيل له أن (مزارًا) من قبائل العواقير قد وصل الآن؛ (وكلمة مزار تطلق عند البادية على الزائرين) فقال: لقد نبهنا أكثر من مرة للمحافظة على الرصاص والبارود، والعناية بإدخال الأسلحة كي لاتستعمل إلا عند الحاجة، وأن الوقت الذي ندخر له السلاح لآت، ونود من إخواننا وشيوخ العشائر أن يواصلوا أسداء النصح بذلك، فاجابه محمد بن الشفيع بقوله: أتنتظر غزوًا خارجيًا قريبًا؟ فألتفت ابن السنوسي عنه الى الشمال - وكان يستقبل القبلة- وقال: وقد تقطب وجهه أكاد أقول لكم أنني أرى العدو رأي العين؛ ومن مد الله في عمره منكم سوف يقاتله وهو آت من هنا وأشار الى جهة البحر، فاصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون، ثم استشهد بالآية: ياأيها الذين آمنوا إذا لقيم الذين كفروا زحفًا فلا تولوهم الأدبار ومن يولهم يومئذ دبره .... ) الآية.

وأصبح أتباع الحركة السنوسية يستعدون لأعدائهم، الذين أخبر شيخهم بأنهم قادمون.

(1) انظر: السنوسي الكبير، ص144، نابلتان أي ايطاليا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت