كانت هناك مواقف رائعة هزت مشاعرنا وقد سطر التاريخ هذه المواقف لأصحابها لكي يتبين للناس أن في كل زمان شخصيات تقف إلى جوار الرجال تقديرًا لمقامهم، ورعاية لحرمتهم، وإظهارًا للحق في مقارنة الرجال إذا واجه بعضهم بعضًا، فهم يقدرون الرجال لمكانتهم الاجتماعية ويفضلونهم على غيرهم، لما يتصفون به من العلم والشجاعة والتقوى ولو كان غيرهم هم الحكام والأمراء، فلا الخوف من الحاكم ينسيهم قدر الرجال، ولا ظلم الحكام ينحرف بهم إلى النفاق والمجاملة، ولا المناصب التي يشغلونها تلهيهم عما يجب أن يكونوا عليه من الصراحة والشجاعة الأدبية [1] ومن هذه المواقف:
فقد امتنع عن استخدام الشدة والقسوة مع الحسين والزامه بالقوة أو قتله وقال: ... والله ما أحب أن لي ما طلعت عليه الشمس وغربت عنه من مال الدنيا وملكها وأني قتلت حسينًا سبحان الله، أقتل حسينًا أن قال: لا أبايع والله إني لأظن أمرًا يحاسب بدم حسين لخفيف الميزان عند الله يوم القيامة [2] . وهكذا يقف الوليد هذا الموقف الرائع، وهو أمير المدينة يومئذ، وهو يعلم تمامًا أن ذلك الموقف سيؤدي لا محالة إلى عزله عن إمارة المدينة، بل قد يزيد على ذلك، فيؤدي إلى قتله وهلاكه، وهو مع هذا يفضل هلاك الدنيا وزوال الملك والسلطان، على أن يلقى الله بدم الحسين [3] ـ رضي الله عنه ـ:
(1) الأمويون بين الشرق والغرب (1/ 249) .
(2) تاريخ الطبري (6/ 259) .
(3) الأمويون بين الشرق والغرب (1/ 249) .