الصفحة 57 من 163

الأمر الثاني مما تقتضيه صيغة النهي: فساد المنهي عنه، فلا تبرأ الذمة، ولا بسقط الطلب إن كان عبادة، ولا يترتب الأثر المقصود من العقد على العقد إذا كان معاملة كما تقدم في الكلام على الباطل، والقول بالفساد هو قول الأئمة الأربعة وغيرهم لحديث عائشة رضي الله عنها؛ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد) (1) ، ووجه الدلالة منه: أن ما نهى عنه الشرع فليس عليه أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - فيكون مردودًا، وما كان مردودًا على فاعله فكأنه لم يوجد لأنه فاسد.

فالشارع نهى عن الصلاة بلا طهارة ولغير القبلة وبدون ستر العورة، ونهى عن بيع الغرر، وعن بيع ما لا يملك، فإن وقع ذلك حكم بفساده، وقد لا يقتضي النهي الفساد إذا وجد دليل مثل حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"لا تصرّوا الإبل والغنم فمن ابتاعها بعد فهو بخير النظرين بعد أن يحتلبها إن شاء أمسك وإن شاء ردها وصاع تمر" (2) فلا يدل النهي على أن البيع فاسد بدليل أنه جعل الخيار للمشتري (3) .

ثم ذكر المؤلف أن صيغ الأمر تأتي للإباحة وقد تقدم الكلام على ذلك، وليس هذا تكرارًا، لأن المقصود هناك بيان أن الصيغة لا تخرج عن الوجوب إلا بدليل، والمراد هنا بين ما استعملت فيه الصيغة من المعاني.

(1) أخرجه مسلم رقم 1718 وأخرجه البخاري تعليقًا في البيوع وموصولًا في الصلح، انظر فتح الباري (4/355) وأخرجه أبو داود برقم 4606 وابن ماجه رقم 14.

(2) رواه البخاري برقم 2041 ومسلم برقم 1524 وقوله (لا تصروا) : بضم أوله وفتح ثانية بوزن: تزكوا والتصرية: حبس اللبن في الضرع حتى يجتمع.

(3) انظر فتح الباري (4/367) وفي طرح التثريب (6/78) نقل الإجماع على أن بيع المصراة صحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت