الصفحة 54 من 163

(والأمر بالشيء نهي عن ضده. والنهي عن الشيء أمر بضده) (1) .

لا خلاف أن صيغة الأمر (افعل) مغايرة الصيغة النهي (لا تفعل) فيكون الأمر بالشيء نهيًا عن ضده من جهة المعنى لا من جهة اللفظ، فالطلب له تعلق واحد بأمرين هما: فعل الشيء، ولكف عن ضده. فباعتبار الأول هو أمر، وباعتبار الثاني هو نهي. فإذا قال له: اسكن. فهذا أمر بالسكون، نهي عن ضده وهو الحركة. قال تعالى:: { يا أيها الذين ءامنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله } (2) . فالأمر بالثبات نهي عن عدم الثبات أمام الكفار، وقد دل على ذلك قوله تعالى:: { يا أيها الذين ءامنوا إذا لقيتم الذي كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار } (3) ومثاله - أيضًا - الأمر بالقيام في الصلاة نهي عن ضده وهو الجلوس، فإذا جلس من قيامه أثناء صلاة الفرض عمدًا لغير عذر بطلت صلاته، لأن أمره بالقيام نهي له عن الجلوس.

والنهي عن الشيء أمر بضده من جهة المعنى لا من جهة اللفظ، فإذا قال له: لا تتحرك. فهذا نهى عن التحرك أمر بضده وهو السكون.

والأمر بالشيء نهي عن جميع أضداده، فإذا قال له: قم. فإن له أضداده من قعود وركوع وسجود واضطجاع وهو منهيُّ عن ذلك كله.

والنهي عن الشيء أمر بأحد أضداده فقط، فالنهي عن القيام أمر بواحد من أضداده من القعود أو الاضطجاع وغيرهما لحصول الامتثال بذلك الواحد.

(1) استظهر الشنقيطي رحمه الله أن هذه المسألة مبنية على قول المتكلمين ومن وافقهم من الأصوليين بالأمر النفسي وهو المعنى القائم بالذات المجرد عن الصيغة. ولا ريب أنه قول باطل مبني على زعم باطل، وهو أن كلام الله تعالى مجرد المعنى القائم بالذات فلا حروف ولا ألفاظ (راجع مذكرة الشنقيطي ص27) .

(2) سورة الأنفال، آية: 45.

(3) سورة الأنفال، آية: 15.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت