فهرس الكتاب

الصفحة 81 من 662

استحقَّ الفاسق الشكر بإنعامه، والذم بمعصيته) [1] .

واختلفوا: هل للَّه سبحانه وتعالى نعمةٌ على كافرٍ في الدنيا؟ فقيل: نعم، وعليه الباقلاني، وقال الفخر الرازي: إنه الأصوب؛ لقوله تعالى: {يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} وذكر آياتٍ كثيرةً فيها دلالة لذلك [2] ، وقيل: لا [3] ؛ لأنه وإن وصلت إليه نِعَمٌ لكنها قليلةٌ حقيرةٌ لا اعتداد بها؛ لأدائها إلى الضرر الدائم في الآخرة، فهي كحلوٍ فيه سمٌّ، ومن ثَمَّ قال تعالى: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ} الآيةَ، والخلاف لفظي؛ إذ لا نزاع في وصول نِعَمٍ إليه، وإنما النزاع في أنها إذا حصل عقبها ذلك الضرر الأبدي. . هل تسمى حينئذٍ في العرف نِعمًا أو لا؟ فهو نزاعٌ في مجرد التسمية [4] .

وأوَّلَ بعضُ المحققين النعمةَ في نحو كلام المصنف هنا بالإنعام؛ نظرًا إلى أن الحمد على الوصفِ القائمِ بذاته تعالى الدائمِ المستمرِّ أَبلغُ منه على أثره الواصل إلينا.

واعلم: أن كل ما يصل إلى الخلق من النفع ودفع الضرر منه تعالى؛ كما قال سبحانه وتعالى: {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} أي: إما ظاهرًا كالخلق، وإما باطنًا كالواصلة من غيره ظاهرًا؛ فإنه الخالق لهما ولداعية الإنعام في قلبه بها، لكن لمَّا أُجريت على يديه. . استحق نوعَ شكرٍ بها، وأما حقيقة الشكر. . فهي تعالى فقط؛ لأنه المنعم بالحقيقة، ونعمه تعالى غير متناهية: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} .

والأمرُ بتذكرها في قوله تعالى: {اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ} لأنها وإن لم تتناهَ باعتبار الأشخاص والأنواع إلا أنها متناهيةٌ بحسب الأجناس، وذلك كافٍ في التذكر المفيد للعلم بوجود الصانع الحكيم.

(1) انظر"تفسير الرازي" (1/ 258) و (3/ 29 - 30) . وفي هامش (غ) : (كما إذا أطعم جائعًا بمغصوب وهو جاهلٌ بالحال؛ فإنه يستحق الشكر من الجائع، والذم من الشارع، فحرر."محمد طاهر".

(2) انظر"تفسير الرازي" (1/ 259 - 260) .

(3) قال العلامة الشبرخيتي رحمه اللَّه تعالى في"الفتوحات الوهبية" (ص 19) : (وعُزي للأشعري) .

(4) والحاصل أن معنى كلامه هنا: أن تلك المنافع الواصلة للكافر في الدنيا إذا عُذب بها في العقبى، هل تسمى بالنعمة أو لا؛ لوجود العقاب؟ هذا وقد خالف في"التحفة" (1/ 18) حيث قال: إن النعمة ملائِم تُحمدُ عاقبته، وأنه لا نعمة للَّه تعالى على كافر. والحق ما أفاده كلامه في"التحفة": من أنها ملاذُّ واستدراج، لا نعمة حقيقة. (محمد علي الجوخي) اهـ هامش (غ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت