وأخرج الخلَّال:"إن للَّه ملائكةً يسيحون بين السماء والأرض يلتمسون الذكر، فإذا سمعوا قومًا يذكرون اللَّه عز وجل. . قالوا: رويدًا، زادكم اللَّه [1] ، فينشرون أجنحتهم حولهم حتى يصعد كلامهم إلى العرش" [2] .
(وذكرهم اللَّه) أي: أثنى عليهم أو أثبتهم؛ كـ (اذكرني في كتابك) ، والأول هو المتبادر؛ قال تعالى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} .
(فيمن عنده) من الأنبياء وكرام الملائكة؛ لقوله تعالى في الحديث القدسي:"من ذكرني في نفسه. . ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ. . ذكرته في ملأ خيرٍ منهم" [3] فالعِندِيَّة هنا عنديةُ شرفٍ ومكانةٍ، لا عندية مكان؛ لاستحالتها عليه تعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علوًا كبيرًا.
ونظيرُ هذا الخبرِ في إفادة أن للذاكرين هذه الأربعة خبرُ مسلمٍ أيضًا:"إن لأهل ذكر اللَّه تعالى أربعًا: تنزل عليهم السكينة، وتغشاهم الرحمة، وتحفُّ بهم الملائكة، ويذكرهم الرب فيمن عنده" [4] .
(ومن بطَّأ) من البطء نقيض السرعة؛ أي: من قصَّر (به عمله) حتى أخَّره عن رتب الكمال؛ لفقد بعض شروط الصحة أو الكمال منه (لم يسرع به نسبه) أي: لم يلحقه برتب أصحاب الأعمال الكاملة؛ لأن المسارعة إلى السعادة إنما هي بالأعمال لا بالأجساد، وما أحسن قول القائل [5] : [من الطويل]
وما الفخر بالعظم الرميمِ وإنَّما ... فخار الذي يبغي الفخار بنفسه
وقال ابن مسعود رضي اللَّه تعالى عنه: (يأمر اللَّه تعالى بالصراط فيضرب على
(1) في بعض النسخ: (زيدوا زادكم اللَّه) .
(2) ذكره الحافظ ابن رجب رحمه اللَّه تعالى في"جامع العلوم والحكم" (2/ 306) وعزاه للخلال في كتاب"السنة"مرسلًا عن خالد بن معدان رحمه اللَّه تعالى.
(3) أخرجه البخاري (7405) ، ومسلم (2675) عن سيدنا أبي هريرة رضي اللَّه عنه.
(4) الحديث بهذا اللفظ أخرجه ابن أبي الدنيا كما عزاه إليه الحافظ السيوطي رحمه اللَّه تعالى في"الدر المنثور" (1/ 363 - 364) عن سيدنا أبي هريرة وسيدنا أبي سعيد رضي اللَّه عنهما، وأما رواية مسلم عنهما (2700) . . فهي:"لا يقعد قوم يذكرون اللَّه عز وجل إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكنية، وذكرهم اللَّه فيمن عنده".
(5) قوله: (وما أحسن قول القائل) زيادة من (غ) .