فهرس الكتاب

الصفحة 560 من 662

غشٌّ وخيانةٌ، ومن ثم كان أشدَّ الأشياء ضررًا، والصدق أشدَّها نفعًا؛ ولهذا علَتْ مرتبته على مرتبة الإيمان؛ لأنه إيمانٌ وزيادة؛ قال اللَّه تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} ؛ ولأنه يرادف التقوى بدليل: {الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} وهي أخص من الإيمان، فكذا رديفها.

وبالجملة: فقُبْحُ الكذب مشهورٌ معلومٌ لكل ذي لبٍّ مستقيم؛ إذ ترك الفواحش كلها بتركه، وفعلها بفعله، فموضعه من القبح كموضع الصدق من الحسن؛ ولذا أجمعوا على تحريمه إلا لضرورةٍ أو مصلحةٍ [1] .

(ولا يحقره) بفتح أوله وبالمهملة والقاف؛ أي: لا يستصغر شأنه ويضع من قدره؛ لأن اللَّه تعالى لمَّا خلقه. . لم يحقره، بل رفعه وخاطبه وكلَّفه، فاحتقاره تجاوزٌ لحدِّ الربوبية في الكبرياء، وهو ذنبٌ عظيم، ومن ثم قال صلى اللَّه عليه وسلم:"بحسب امرئٍ من الشر. . . إلخ".

ورُوي بضم أوله وبالمعجمة والفاء [2] ؛ أي: لا يغدر عهده، ولا ينقض أمانته، قال عياض: (والصواب المعروف هو الأول، وهو الموجود في غير"كتاب مسلم") [3] ويؤيده رواية:"ولا يحتقره".

ومعنى هذه الجمل: أن من حقِّ الإسلام وأُخُوَّتِه ألَّا يَظلم المسلم أخاه ولا يخذله ولا يكذبه ولا يحقره، وللإسلام حقوقٌ أُخر ذُكرتْ في غير هذا الحديث، وقد جمعت في قوله صلى اللَّه عليه وسلم:"حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه".

(1) قال التادلي: الكذب خمسة: واجبٌ: لإنقاذ مال مسلم أو نفسه، وحرامٌ: وهو الكذب لغير منفعة شرعية، ومندوبٌ: وهو الكذب للكفار أن المسلمين أخذوا في أهبة الحرب إذا قصد بذلك إرهابهم، ومكروهٌ: وهو الكذب للزوجة تطييبًا لنفسها، ومباحٌ: وهو الكذب للإصلاح بين الناس، وتعقَّبَ ابن ناجي القسم الرابع بأن السُّنة جوزت الكذب فيه. اهـ، وقال قومٌ: الكذب كله قبيح؛ فقد سئل مالك رضي اللَّه عنه: عن الرجل يكذب لزوجته وابنه تطييبًا؟ فقال: لا خير في الكذب. ولقد أحسن القائل: [من الرجز]

الصدق في أقوالنا أقوى لنا ... والكِذْب في أفعالنا أفعى لنا

فهمْ يقولون: همُ أشياخُنا ... فما لهم قد يفعلوا أشياخنا؟!

اهـ"شبرخيتي" (ص 265)

(2) أي: (ولا يُخفره) .

(3) انظر"إكمال المعلم" (8/ 31) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت