لا حكم بالسلب على العموم، وإلَّا. . لم يكن زوج، وهو باطل.
وفيه حذفٌ ثانٍ أيضًا، إذ أصله: لا لحوق أو إلحاق، أو لا فعل ضررٍ أو ضرار بأحدٍ في ديننا؛ أي لا لحوق له شرعًا إلا لموجبٍ خاصٍّ بمخصصٍ [1] .
وقيدنا النفي بالشرع؛ لأنه بحكم القدر الإلهي لا ينتفي [2] ، واستثناء ما ذكر؛ لأن الحدود والعقوبات ضررٌ وهو مشروعٌ إجماعًا، وإنما انتفى الضرر فيما عدا ما استثني، لقوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} ، {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ} ، {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} ، وقوله صلى اللَّه عليه وسلم في الحديث الصحيح:"بعثت بالحنيفية السمحة السهلة" [3] ونحو ذلك من النصوص المُصرِّحة بوضع الدين على تحصيل النفع والمصلحة، فلو لم يكن الضرر والإضرار منفيًا شرعًا. . لزم وقوع الخلف في الأخبار الشرعية المذكورة، وهو محالٌ.
وأيضًا فقد صحح:"حرَّم اللَّه من المؤمن دمَه ومالَه وعرضَه، وألَّا يظن به إلا خيرًا" [4] ، وقد صحح أيضًا:"إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرامٌ عليكم" [5] أي: بعضكم على بعض.
وكل ما جاء في تحريم الظلم من الآيات والأحاديث دليلٌ على تحريم الضرر؛ لأنه نوعٌ من الظلم، فعلم أن معنى الحديث: ما مر من نفي سائر أنواع الضرر والمفاسد شرعًا إلا ما خصَّه الدليل، وأن المصالح تُراعى إثباتًا، والمفاسد تُراعى نفيًا؛ لأن الضرر هو المفسدة، فإذا نفاها الشرع. . لزم إثبات النفع الذي هو المصلحة؛ لأنهما نقيضان لا واسطة بينهما.
وهذا مبنيٌّ على قاعدة أصوليةٍ، وهي: أن أفعال اللَّه تعالى هل تعلل؟ فقيل:
(1) أي: سبب خاص كالزنا والسرقة وشرب الخمر بالنسبة للحدود؛ فإنها أسباب خرجت من عموم: (لا ضرر ولا ضرار) اهـ هامش (غ)
(2) أي إن قوله: (لا ضرر) معناه: أي لا وجود ضرر شرعًا، فلا ينافي وقوع الضرر بالفعل؛ لأنه بحكم القَدَر الإلهي، فلا يلزم الخلف في خبر الصادق المصدوق، تأمل. اهـ"مدابغي"
(3) تقدم تخريجه (ص 96) .
(4) أخرجه ابن ماجه (3932) عن سيدنا عبد اللَّه بن عمرو رضي اللَّه عنهما بنحوه. وقوله: (وألا يظن) لعل معناه: وأوجب ألا يظن به إلا خيرًا، أو أن (لا) زائدة، كما في قوله تعالى: {لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ} .
(5) أخرجه البخاري (67) ، ومسلم (1679) عن سيدنا أبي بكرة رضي اللَّه عنه.