الجنة على ما يختصون به من تفاصيل العلم باللَّه تعالى، وأسمائه، وصفاته، وقربه، ورؤيته، ولذة ذكره، وغير ذلك مما لا يمكن التعبير عنه.
ومنها: استحضار أن تركها موجبٌ لرفع الدرجات، وحلول الرضوان الأكبر منه تعالى في دار الكرامات.
ومن ثم قال صلى اللَّه عليه وسلم: (يحبك) بفتح آخره؛ لأنه لما كان مجزومًا جوابًا لـ (ازهد) وأُريد إدغامه. . سكنت باؤه الأولى بنقل حركتها إلى الساكن قبلها، فاجتمع ساكنان، فحرّك الأول [1] لالتقائهما بالفتح تخفيفًا.
(اللَّه) لأنه تعالى يحب من أطاعه، ومحبته مع محبة الدنيا مما لا يجتمع كما دلَّتْ عليه النصوصُ والتجربةُ والتواترُ، ومن ثَمَّ قال صلى اللَّه عليه وسلم:"حب الدنيا رأس كل خطيئة" [2] ، واللَّه لا يحب الخطايا ولا أهلها، ولأنها لهوٌ ولعبٌ واللَّه لا يحبهما، ولأن القلب بيت الرب لا شريك له، فلا يحب أن يَشْرَكه في بيته حب دنيا ولا غيره.
والحاصل: أنَّا نقطع بأن محبَّ الدنيا مبغوضٌ عند اللَّه تعالى، فالزاهد فيها محبوبٌ له تعالى، ومحبتها الممنوعة: هي إيثارها لنيل الشهوات واللذات؛ لأن ذلك يشغل عن اللَّه تعالى.
أما محبتها لفعل الخير والتقرب به إلى اللَّه تعالى. . فهو محمودٌ؛ لخبر:"نِعْمَ المال الصالح للرجل الصالح، يصل به رحمًا، ويصنع به معروفًا" [3] .
وفي أثرٍ: إذا كان يوم القيامة. . جمع اللَّه الذهب والفضة كالجبلين العظيمين، ثم يقول: (هذا مالنا عاد إلينا، سعد به قومٌ، وشقي به آخرون) [4] .
ثم المحبةُ -لاستحالة حقيقتها عليه تعالى من الميل النفسي منه، وهو واضحٌ، أو
(1) كذا في النسخ إلا (ح) ففيها: (فحرك الآخر) ، وفي هامش (خ) : (صوابه: الثاني) .
(2) أخرجه البيهقي في"الشعب" (10019) عن الحسن البصري رحمه اللَّه تعالى مرسلًا، وذكر في"جامع العلوم والحكم" (2/ 203) أنه من كلام سيدنا جندب بن عبد اللَّه الصحابي رضي اللَّه عنه.
(3) أخرجه ابن حبان (3210) ، والبخاري في"الأدب المفرد" (299) ، والإمام أحمد (4/ 197) بنحوه عن سيدنا عمرو بن العاص رضي اللَّه عنه.
(4) في هامش (أ) : (بلغ مقابلة على نسخة المؤلف بمكة المشرقة) .