فهرس الكتاب

الصفحة 501 من 662

إنما هو في الدنيا بشخصه فقط، وأما بمعناه. . فهو مع اللَّه تعالى بالمراقبة والمشاهدة لا ينفك عنه.

واعلم: أن العلماء فسروا الدنيا بأنها ما حواه الليل والنهار، وأظلته السماء، وأقلته الأرض، واختلفوا في المزهود فيه منها، فقيل: الدينار والدرهم، وقيل: المطعم، والمشرب، والملبس، والمنكح، والمسكن، وقيل: الحياة.

والوجه كما علم مما مر: أنه كل لذةٍ وشهوةٍ ملائمةٍ للنفس مما ذكر وغيره، حتى الكلام بين مستمعين له ما لم يقصد به وجه اللَّه تعالى، وفي حديث مرفوع خرجه الترمذي وقال: غريب، وفي إسناده مَنْ هو منكر الحديث، وابن ماجه:"الزهادة في الدنيا ليست بتحريم الحلال، ولا إضاعة المال، ولكن الزهادة في الدنيا: ألَّا تكون بما في يديك أوثق مما في يد اللَّه، وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أنت أُصبتَ بها أرغب فيها لو أنها بقيت لك" [1] ولا يعارض ما مر في تفسير الزهد؛ لأن الترمذي قال: إنه غريبٌ، وفي سنده مَنْ هو منكر الحديث.

ولأن أحمد رواه موقوفًا على أبي مسلم الخولاني بزيادة: (وأن يكون مادحك وذامك في الحق سواء) [2] وهو الصحيح، وقد اشتمل على تفسير الزهد في الدنيا بثلاثة أمورٍ كلها من أعمال القلب دون الجوارح، ومن ثم كان أبو سليمان يقول: لا تشهد لأحدٍ بالزهد؛ لأنه في القلب.

ومنشأ أول تلك الثلاثة [3] : من صحة اليقين وقوته، فإنه تعالى تكفَّل بأرزاق عباده كما في آياتٍ كثيرةٍ من كتابه، وفي حديثٍ مرفوع:"من سرَّه أن يكون أغنى الناس. . فليكن بما في يد اللَّه أوثق منه بما في يده" [4] .

وقال الفضيل: (أصل الزهد الرضا عن اللَّه عز وجل) [5] .

(1) سنن الترمذي (2340) ، وسنن ابن ماجه (4100) عن سيدنا أبي ذر رضي اللَّه عنه.

(2) أخرجه البيهقي في"الشعب" (10289) ، وانظر"جامع العلوم والحكم" (2/ 179 - 180) .

(3) وهي: ألَّا يكون بما في يده أوثق مما في يد اللَّه، وأن يكون مادحه وذامه في الحق سواء. . . إلخ. اهـ هامش. (غ)

(4) أخرجه ابن أبي الدنيا في"مكارم الأخلاق" (5) عن سيدنا ابن عباس رضي اللَّه عنهما.

(5) أخرجه ابن عساكر في"تاريخ دمشق" (48/ 399) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت