من كان قبلكم بكثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيءٍ. . فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيءٍ. . فدعوه" [1] ."
ولكون هذا كالشارح للحديث الأول تكلَّم عليه جمعٌ من الشُّرَّاح بما حاصله: أن السائل هو الأقرع بن حابس، قيل: وفيه دليلٌ للقول الضعيف: إنه يتوقف في الأمر فيما زاد على مرةٍ على البيان، فلا يحكم باقتضائه ولا منعه؛ إذ لو كان مطلقه يقتضي التكرار أو عدمه. . لم يسأل الأقرع عن ذلك، ولقيل له: لا حاجة للسؤال، بل مطلقه محمولٌ على كذا.
والأصح: أنه لا يقتضي التكرار [2] ، ولا دلالة في الحديث للوقف؛ لاحتمال أن السؤال للاستظهار، أو للاحتياط؛ فإنه وإن لم يقتضِ التكرار قد يستعمل فيه، سيما والحج لغةً: قصدٌ فيه تكرارٌ يقوي احتمال التكرار عند السائل من هذه الحيثية أيضًا.
وفي قوله صلى اللَّه عليه وسلم:"لو قلت: نعم. . لوجبت"دليلٌ لجواز الاجتهاد له، وهو الأصح [3] ، و:"ذروني ما تركتكم"دليلٌ لعدم الحكم قبل ورود الشرع، وهو الأصح.
ومعناه: لا تكثروا من الاستفصال عن المواضع التي تفيد بوجهٍ ما ظاهر وإن صلحت لغيره [4] ، كما في:"فحجوا"فإنه وإن أمكن أن يراد به التكرار ينبغي أن يكتفى بما يصدق عليه اللفظ، وهو المرة الواحدة؛ فإنها مفهومةٌ من اللفظ قطعًا، وما زاد. . مشكوكٌ فيه، فيعرض عنه، ولا يكثر السؤال؛ لئلا يكثر الجواب، فيحصل التعنُّت والمشقة، كما مر عن بني إسرائيل، ومن ثم قال تعالى: يَاأَيُّهَا
(1) مسلم (1337) .
(2) أي: والأصح: أن مطلق الأمر لا يقتضي التكرار.
(3) قوله: (دليل لجواز الاجتهاد له) صلى اللَّه عليه وسلم؛ أي: في الحروب وغيرها، وهو الصحيح؛ وجه الدلالة منه: أنه علَّق الوجوب على قوله: (نعم) ، وعدمه على سكوته، وهو إنما يكون بالاجتهاد، والحاصل: أنه صلى اللَّه عليه وسلم اجتهد فأدَّاه اجتهاده إلى أولوية السكوت تخفيفًا على الأمة: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} اهـ هامش (غ)
(4) في هامش (غ) : ("بوجه ما"أي: شيئًا هو ظاهر، أو شيئًا ظاهره كذا، فعلى النسختين لفظة"ما"مفعول"تفيد") .