ووجهه في الاختلاف: أنه سبب تفرُّقِ القلوب، ووهن الدين، كما جرى للخوارج حين تبرأ بعضهم من بعضٍ. . وهن أمرهم، وذلك حرامٌ، فسببه المؤدي إليه حرامٌ.
وفي كثرة السؤال: أنه من غير ضرورة مشعرٌ بالتعنُّت، ومفضٍ إليه، وهو حرامٌ أيضًا، وقد نهى الشارع عن: قيل وقال، وكثرة السؤال [1] ، وروى أحمد: أنه صلى اللَّه عليه وسلم (نهى عن الأغلوطات) [2] وهي صعاب المسائل.
وورد:"سيكون أقوامٌ من أمتي يغلطون فقهاءهم بعضل المسائل، أولئك شرار أمتي" [3] .
وقال الحسن: (شرار عباد اللَّه الذين يتبعون شرار المسائل، يُعَمُّون بها عباد اللَّه) [4] .
وقال الأوزاعي: (إن اللَّه إذا أراد أن يحرم عبده بركة العلم. . ألقى على لسانه المغاليط؛ فلقد رأيتهم أقل الناس علمًا) [5] .
وكان أفاضل الصحابة رضي اللَّه عنهم كزيد بن ثابت وأُبيِّ بن كعب إذا سُئلوا عن شيءٍ. . قالوا: أَوَقَعَ؟ فإن قيل: نعم. . أفتوا فيها، أو ردوها إلى مَنْ يُفتي فيها، وإن قيل: لا. . قالوا: دعها حتى تقع [6] ، وكانوا يكرهون السؤال عما لم يقع، بل لعن عمر رضي اللَّه عنه سائلًا عما لم يكن، وهذا الحكم يرجع إلى قوله تعالى:
(1) أخرجه البخاري (1477) ، ومسلم (593) في كتاب الأقضية. وقوله: (وقد نهى الشارع. . . إلخ) قال المطرزي في"شرح مقامات الحريري": قيل: القال: السؤال، والقيل: الجواب، وأخبرني مولاي الصدر رحمه اللَّه عن فخر خوارزم أنه قال في قولهم: (نهى النبي صلى اللَّه عليه وسلم عن قيل وقال) : هو من قولهم: قيل كذا، وقال فلانٌ كذا، وبناؤهما على كونهما فعلين محكيينِ متضمنين للضمير والإعراب على إجرائهما مجرى الأسماء خِلْوينِ عن الضمير، ومنه قولهم: إنما الدنيا قيل وقال، وإدخال حرف التعريف عليهما لذلك في قولهم: ما يعرف القال من القيل. اهـ"مدابغي"
(2) مسند الإمام أحمد (5/ 435) .
(3) أخرج نحوه الطبراني في"الكبير" (2/ 98) ، والخطيب في"الفقيه والمتفقه" (637) عن سيدنا ثوبان رضي اللَّه عنه.
(4) أخرجه الخطيب في"الفقيه والمتفقه" (638) .
(5) انظر"فتح الباري" (13/ 263) ، و"فيض القدير" (6/ 301) .
(6) انظر"الفقيه والمتفقه" (622 - 624) ، و"فيض القدير" (6/ 301) .