وهو حديثٌ عظيمٌ مشتملٌ من قواعد الدين على مهماتها كما ظهر بما قررناه في شرحه وما يأتي أيضًا، وفيه بيانٌ واضحٌ أن للإيمان أجزاءً وشُعَبًا: منها ما هو فرضٌ على كل مكَّلفٍ في كل حالٍ وهو الأُولى [1] ، أو في بعضها وهو الثانية [2] ، وما هو فرضٌ على بعض الآدميين ولو غير مكلف وهو الثالثة.
والمراد بوجوبها على غير المكلف: وجوبها في ماله، والمخاطب بإخراجها منه وليُّه، فيلزمه -إن لم يكن حنفيًا- إخراجُها فورًا وإن منعه الإمام.
واستفيد من تلك الثلاثة: أنه يلحق بكل واحدةٍ منها في كونه جزءًا وشعبةً من الإيمان ما هو في معناه.
وفيه زيادة على حديث أبي هريرة الذي روياه أيضًا:"أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللَّه، ويؤمنوا بي وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك. . عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها" [3] ، وفي رواية:"حتى يقولوا: لا إله إلا اللَّه، فمن قال لا إله إلا اللَّه. . عصم مني. . . إلخ" [4] ، وخرجه مسلم عن جابر بهذا اللفظ، وزاد: ثم قرأ: {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ} [5] على حديث أنسٍ الذي رواه مسلم، وإن كان الآخر فيه زيادة أيضًا وهو:"أُمرت أن أقاتل المشركين حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن يستقبلوا قبلتنا، وأن يأكلوا ذبيحتنا، وأن يصلوا صلاتنا، فإذا فعلوا ذلك. . حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها، لهم ما للمسلمين، وعليهم ما على المسلمين" [6] .
= يمارس فنَّهم، وبذلك زال العجب وبطل الشغب الذي طول به الشارح الهيتمي على المؤلف رحمهما اللَّه تعالى. اهـ"الفتوحات الوهبية"للشبرخبتي (ص 130)
وفي هامش (خ) : (ويمكن أن يجاب عن المصنف بأن مراده: أنهما اتفقا على أصل هذا الحديث وإن لم يتفقا على توابعه التي من جملتها الاستثناء) .
(1) أي: حتى حال الحيضِ والنفاسِ، فمتى بلغته الدعوة. . وجب النطق بالشهادتين.
(2) أي: الصلاة؛ لأنها لا تجب في حال الحيض والنفاس.
(3) أخرجه مسلم (21/ 34) عن سيدنا أبي هريرة رضي اللَّه عنه.
(4) أخرجه البخاري (2946) عن سيدنا أبي هريرة رضي اللَّه عنه.
(5) صحيح مسلم (21/ 35) .
(6) أخرجه الضياء في"المختارة" (1916) ، وأبو داوود (2641) ، والبيهقي في"السنن الكبرى" (3/ 92) عن سيدنا أنس رضي اللَّه عنه.