الوجه الخامس: وهو أن هذا الأمر لا يختص بالمترفين، بل هو سبحانه يأمر بطاعته واتباع رسله المترفين وغيرهم، فلا يصح تخصيص الأمر بالطاعة بالمترفين"انتهى المقصود منه ."
وأقول: مما يؤيد هذا أن الأمر بالطاعة ليس المقصود منه أن يفسق المأمور؛ ليحق عليه الهلاك، وإنما المقصود منه سعادة المأمور ونجاته من الهلاك .
وأما نفيكم يا فضيلة الشيخ لوجود الأمر الكوني بالسوء، وقولكم:"إنما هو سبيل الاحتمال والظن، وسائر الأوامر بمعنى التكليف الشرعي"؛ فهذا رد للأدلة، وإبطال لقول الأئمة الذين ذكرنا بعض أقوالهم .
وأما ما ذكرتم من أقوال المفسرين الأخرى في تفسير الآية؛ فهي لا تلغي القول الذي ذكرناه، بل لا ترتقي إلى درجته، وحسبك تقديم الإمام ابن كثير له على غيره واقتصار ابن سعدي عليه، وترجيح ابن القيم له .
وعلى كل؛ فالأمر الكوني القدري ثابت، وأدلته في القرآن كثيرة في غير هذه الآية؛ مثل قوله تعالى: { إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } ، وقوله: { وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ } ، وقوله: { أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أو نَهَارًا } .
وما ذكرتم من تفسير سيد قطب من تأويل الإرادة بأنه ترتب النتيجة على السبب، وتأويل الأمر بأنه إنشاء النتيجة الطبيعية المترتبة على وجود المترفين؛ فهذه سفسطة مردودة، وتأويل للصفات على طريقة المعتزلة وأتباعهم، فهو قول باطل .
وأما قول فضيلتكم:"أما أن يصدر أمره عز وجل بما يكره من الأعمال، ثم يعاقب مرتكبه؛ عن مفهوم الإرادة - أي: المشيئة - التي منها الشرعي الذي عليه مدار الثواب والعقاب، ومنها الكوني الذي لا يدان للإنسان فيه ولا مسؤولية عليه"انتهي .
"وأقول: كلام فضيلتكم هذا عليه عدة مؤاخذات:"
الأولى: أنكم خلطتم بين المشيئة والإرادة، وجعلتموها شيئا واحدًا، والواقع أن بينهما فرقا كبيرا: