أَيِ: الْعَاقِبَةُ وَالنُّصْرَةُ لَكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ.
{إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ} أَيْ: إِنْ كُنْتُمْ قَدْ أَصَابَتْكُمْ جراحٌ وقُتل مِنْكُمْ طائفةٌ، فَقَدْ أَصَابَ أَعْدَاءَكُمْ قَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ مِنْ قَتْلٍ وَجِرَاحٍ {وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} أَيْ: نُديل عَلَيْكُمُ الْأَعْدَاءَ تَارَةً، وَإِنْ كَانَتِ الْعَاقِبَةُ لَكُمْ لِمَا لَنَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْحِكَمِ (1) ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِي مِثْلِ هَذَا لنَرَى، أَيْ: مَنْ يَصبر عَلَى مُنَاجَزَةِ الْأَعْدَاءِ {وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ} يَعْنِي: يُقْتَلُون فِي سَبِيلِهِ، ويَبْذُلون مُهَجهم فِي مَرْضَاتِهِ. {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ. وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا} أَيْ: يُكَفِّرَ عَنْهُمْ مِنْ ذُنُوبِهِمْ، إِنْ كَانَ لَهُمْ ذُنُوبٌ وَإِلَّا رُفعَ لَهُمْ فِي دَرَجَاتِهِمْ بِحَسَبِ مَا أُصِيبُوا بِهِ، وَقَوْلُهُ: {وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ} أَيْ: فَإِنَّهُمْ إِذَا ظَفَرُوا بَغَوا وبَطروا فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبَ دَمَارِهِمْ وَهَلَاكِهِمْ ومَحْقهم وَفَنَائِهِمْ.
ثُمَّ قَالَ: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} أَيْ: أَحَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمْ تُبْتَلوا بِالْقِتَالِ وَالشَّدَائِدِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا [حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ] (2) } [الْبَقَرَةِ:214] وَقَالَ تَعَالَى: {الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ [وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ] (3) } [الْعَنْكَبُوتِ:1-3] ؛ وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} أَيْ: لَا يَحْصُلُ لَكُمْ دُخُولُ الْجَنَّةِ حَتَّى تُبْتَلَوا وَيَرَى اللَّهُ مِنْكُمُ الْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مُقَارَنَةِ الْأَعْدَاءِ.
وَقَوْلُهُ: {وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} أَيْ: قَدْ كُنْتُمْ -أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ-قَبْلَ هَذَا الْيَوْمِ تَتَمَنَّوْنَ لِقَاءَ الْعَدُوِّ وَتَتَحَرَّقُونَ عَلَيْهِمْ، وَتَوَدُّونَ مُنَاجَزَتَهُمْ وَمُصَابَرَتَهُمْ، فَهَا قَدْ حَصَلَ لَكُمُ الَّذِي تَمَنَّيْتُمُوهُ وَطَلَبْتُمُوهُ، فدونَكم فَقَاتِلُوا وَصَابِرُوا.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:"لَا تَمَنَّوْا (4) لِقَاءَ الْعَدُوِّ، وَسَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ، فَإذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا، وَاعْلَمُوا أنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلالِ السُّيُوفِ" (5) .
وَلِهَذَا قَالَ: {فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ} يَعْنِي: الْمَوْتَ شَاهَدْتُمُوهُ (6) فِي لَمَعان السُّيُوفِ وَحَدِّ الأسِنّة وَاشْتِبَاكِ الرِّماح، وَصُفُوفِ الرِّجَالِ لِلْقِتَالِ.
وَالْمُتَكَلِّمُونَ يُعَبِّرُونَ عَنْ هَذَا بالتخْييل، وَهُوَ مُشَاهَدَةُ مَا لَيْسَ بِمَحْسُوسٍ كَالْمَحْسُوسِ (7) كَمَا تَتَخَيل الشَّاةَ صداقة الكبش وعداوة الذئب.
(1) في أ:"الحكمة".
(2) زيادة من جـ، ر، أ، و، وفي هـ:"الآية".
(3) زيادة من جـ، ر، أ، و، وفي هـ:"الآية".
(4) في هـ:"تتمنوا"، والمثبت من جـ، ر، ومسلم.
(5) صحيح البخاري معلقا برقم (3021) وصحيح مسلم برقم (1741) .
(6) في و:"يعني شاهدوه".
(7) في جـ:"في المحسوس"، وفي ر، أ، و:"من المحسوس".