فهرس الكتاب

الصفحة 595 من 5109

وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أُنْزِلَ الْقُرْآنُ فِي النِّصْفِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا فَجُعِلَ فِي بَيْتِ العِزَّة، ثُمَّ أُنْزِلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عِشْرِينَ سَنَةً لِجَوَابِ كَلَامِ النَّاسِ.

وَفِي رِوَايَةِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: نَزَلَ الْقُرْآنُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ إِلَى هَذِهِ السَّمَاءِ الدُّنْيَا جُمْلَةً وَاحِدَةً، وَكَانَ اللَّهُ يُحْدثُ لَنَبِيِّهِ مَا يَشَاءُ، وَلَا يَجِيءُ الْمُشْرِكُونَ بمثَل يُخَاصِمُونَ بِهِ إِلَّا جَاءَهُمُ اللَّهُ بِجَوَابِهِ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نزلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلا * وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا} [الْفُرْقَانِ: 32، 33] .

[قَالَ فَخْرُ الدِّينِ: وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ يَنْزِلُ فِي كُلِّ لَيْلَةِ قَدْرٍ مَا يَحْتَاجُ النَّاسُ إِلَى إِنْزَالِهِ إِلَى مِثْلِهِ مِنَ اللَّوْحِ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا، وَتَوَقَّفَ، هَلْ هَذَا أَوْلَى أَوِ الْأَوَّلُ؟ وَهَذَا الذِي جَعَلَهُ احْتِمَالًا نَقَلَهُ الْقُرْطُبِيُّ عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ، وَحَكَى الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ جُمْلَةً وَاحِدَةً مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ إِلَى بَيْتِ الْعِزَّةِ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَحَكَى الرَّازِيُّ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وَغَيْرِهِ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: {الَّذِي أُنزلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} أَيْ: فِي فَضْلِهِ أَوْ وُجُوبِ صَوْمِهِ، وَهَذَا غَرِيبٌ جِدًّا] (1) .

وَقَوْلُهُ: {هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} هَذَا مَدْحٌ لِلْقُرْآنِ الذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ هَدًى لِقُلُوبِ الْعِبَادِ مِمَّنْ آمَنَ بِهِ وَصَدَّقَهُ وَاتَّبَعَهُ {وَبَيِّنَاتٍ} أَيْ: وَدَلَائِلُ وحُجَج بَيِّنَةٌ وَاضِحَةٌ جَلِيَّةٌ لِمَنْ فَهِمَهَا وتدبَّرها دَالَّةٌ عَلَى صِحَّةِ مَا جَاءَ بِهِ مِنَ الْهُدَى الْمُنَافِي لِلضَّلَالِ، وَالرُّشْدِ الْمُخَالَفِ لِلْغَيِّ، وَمُفَرِّقًا بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَالْحَلَالِ، وَالْحَرَامِ.

وَقَدْ رُوِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَنَّهُ كَره أَنْ يُقَالَ: إِلَّا"شَهْرَ رَمَضَانَ"وَلَا يُقَالُ:"رَمَضَانُ"؛ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ:

حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارِ بْنِ الريَّان، حَدَّثَنَا أَبُو مَعْشَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظي، وَسَعِيدٍ -هُوَ المقْبُري-عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: لَا تَقُولُوا: رَمَضَانَ، فَإِنَّ رَمَضَانَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَكِنْ قُولُوا: شَهْرُ رَمَضَانَ.

قَالَ (2) ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ نَحْوَ ذَلِكَ، ورَخَّص فِيهِ ابْنُ عَبَّاسٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ.

قُلْتُ: أَبُو مَعْشَرٍ هُوَ نَجِيح بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَدَنِيُّ إِمَامٌ [فِي] (3) الْمَغَازِي، وَالسِّيَرِ، وَلَكِنْ فِيهِ ضَعْفٌ، وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُهُ مُحَمَّدٌ عَنْهُ فَجَعَلَهُ مَرْفُوعًا، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَدْ أَنْكَرَهُ عَلَيْهِ الْحَافِظُ ابْنُ عَدِيٍّ (4) -وَهُوَ جَدِيرٌ بِالْإِنْكَارِ-فَإِنَّهُ مَتْرُوكٌ، وَقَدْ وَهِمَ فِي رَفْعِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَقَدِ انْتَصَرَ الْبُخَارِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، فِي كِتَابِهِ لِهَذَا فَقَالَ:"بَابٌ يُقَالُ (5) رَمَضَانُ" (6) وَسَاقَ أَحَادِيثَ فِي ذَلِكَ مِنْهَا:"مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ"وَنَحْوَ ذلك.

(1) زيادة من جـ، أ.

(2) في جـ:"قال لي".

(3) زيادة من جـ.

(4) الكامل لابن عدي (7/53) .

(5) في جـ:"باب بأن يقال".

(6) الترجمة في الصحيح (4/112) :"باب هل يقال رمضان أو شهر رمضان، ومن رأى كله واسعا".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت