وَقِيلَ: لِأَنَّهُ قُدّس مَرَّتَيْنِ، وَطَوَى لَهُ الْبَرَكَةَ وَكُرِّرَتْ: وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، كَقَوْلِهِ (1) {إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى} [النَّازِعَاتِ: 16] .
وَقَوْلُهُ: {وَأَنَا اخْتَرْتُكَ} كَقَوْلِهِ {إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي} [الْأَعْرَافِ: 144] أَيْ: عَلَى جَمِيعِ النَّاسِ مِنَ الْمَوْجُودِينَ فِي زَمَانِهِ.
و [قَدْ] (2) قِيلَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: يَا مُوسَى، أَتَدْرِي لِمَ خَصَصْتُكَ بِالتَّكْلِيمِ مِنْ بَيْنِ النَّاسِ؟ [قَالَ: لَا. قَالَ:] (3) لِأَنِّي لَمْ يَتَوَاضَعْ لِي أَحَدٌ تَوَاضُعَكَ.
وَقَوْلُهُ: {فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى} أَيِ: اسْمَعِ الْآنَ مَا أَقُولُ لَكَ وَأُوحِيهِ إِلَيْكَ
{إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلا أَنَا} هَذَا أَوَّلُ وَاجِبٍ عَلَى الْمُكَلَّفِينَ أَنْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ.
وَقَوْلُهُ: {فَاعْبُدْنِي} أَيْ: وَحِّدْنِي وَقُم بِعِبَادَتِي مِنْ غَيْرِ شَرِيكٍ، {وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي} قِيلَ: مَعْنَاهُ: صَلِّ لِتَذْكُرَنِي. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ: وَأَقِمِ الصَّلَاةَ عِنْدَ ذِكْرِكَ لِي.
وَيَشْهَدُ لِهَذَا الثَّانِي مَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى بْنُ سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم قال:"إِذَا رَقَد أَحَدُكُمْ عَنِ الصَّلَاةِ، أَوْ غَفَلَ عَنْهَا، فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي} (4) ."
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا، فَكَفَّارَتُهَا أَنْ يُصَلِّيَهَا إِذَا ذَكَرَهَا، لَا كَفَّارَةَ لَهَا إِلَّا ذَلِكَ" (5) .
وَقَوْلُهُ: {إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ} أَيْ: قَائِمَةٌ لَا مَحَالَةَ، وَكَائِنَةٌ لَا بُدَّ مِنْهَا.
وَقَوْلُهُ: {أَكَادُ أُخْفِيهَا} قَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهَا:"أَكَادُ أُخْفِيهَا مِنْ نَفْسِي"، يَقُولُ: لِأَنَّهَا لَا تَخْفَى مِنْ نَفْسِ اللَّهِ أَبَدًا.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مِنْ نَفْسِهِ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَأَبُو صَالِحٍ، وَيَحْيَى بْنُ رَافِعٍ.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: {أَكَادُ أُخْفِيهَا} يَقُولُ: لَا أُطْلِعُ عَلَيْهَا أَحَدًا غَيْرِي.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أهل السموات وَالْأَرْضِ إِلَّا قَدْ أَخْفَى اللَّهُ عَنْهُ عِلْمَ السَّاعَةِ، وَهِيَ فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ:"إِنِّي أَكَادُ أُخْفِيهَا مِنْ نَفْسِي"، يَقُولُ: كَتَمْتُهَا عَنِ الْخَلَائِقِ، حَتَّى لَوِ اسْتَطَعْتُ أَنْ أَكْتُمَهَا مِنْ نَفْسِي لَفَعَلْتُ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: {أَكَادُ أُخْفِيهَا} وَهِيَ فِي بَعْضِ الْقِرَاءَةِ أُخْفِيهَا مِنْ نَفْسِي، وَلَعَمْرِي لقد أخفاها الله من
(1) في ف:"لقوله".
(2) زيادة من ف، أ.
(3) زيادة من ف، أ.
(4) المسند (3/184) .
(5) صحيح البخاري برقم (597) وصحيح مسلم برقم (684) .