فسار له منّا رسول مذكّر ... يحذّره العقبى فلم تنفع الذكرا
وعاودنا بغيًّا وللبغى مصرع ... فشاهد من إقدامنا الآية الكبرى
وأنصفت الأيام في الحكم بيننا ... وكانت له الأولى وكانت له الأخرى
هو الدهر لا يبقى على فرد حالة ... فطورًا يرى حلوًا وطورًا يرى مرا
رعى الله يوم المرج للترك أنفسًا ... تدرّعت الإقدام والبأس والصبرا
غداة يرون القتل في الله طاعة ... صيام يودون الحمام لهم فطرا
إذا ذكروا أحدًا تمنوا بأنهم ... رأوا أحدًا أو شاهدوا قبله بدرا
تنادوا وقالوا في الثبات حياتنا ... ومن ههنا نلقى النجاة أو الخسرا
وجاءت جيوش المغل كالرمل كثرة ... وقد ملأت سهل البسيطة والوعرا
وأقبل سلطان الزمان محمد ... يقود العتاق الجرد والعسكر المحبرا
فطارت قلوب المارقين مخافةً ... وذعرًا ويا ما أقبل الخوف والذعرا
رأت سيّفًا شهبًا وبيضًا قواضبًا ... وخطية سمرا وألويةً صعرا
وحزبًا من الأتراك شوسًا ضراغما ... يذودون عن مصر وعن ساكني مصرا
وكان نهار السبت بالنصر شاهدًا ... صدوقًا وكان الوقت قد زاحم العصرا
فكرّت وكرّ المسلمون فلا تسل ... لدى الروع عن بحرٍ غدا صادمًا بحرا
ومدّ سواد النقع ليلًا فأطلعت ... ذبال القنى في كل داجية فجرا
ولله در الترك كم سفكت دمًا ... وكم فلقت رأسًا وكم طعنت نحرا
وكم طعنت بالسمر حتى تقصّفت ... وكم ضاربت بالبيض حتى انثنت حمرا
أمالوا عروش الكافرين وكافحوا ... عن الديّن يرجون المثوبة والأجرا
فذلّت وكان العزّ ملء رؤوسها ... وقد أوطأتها الترك من بأسها جمرا
وولّت ولاذت بالجبال تحصّنا ... ولولا تخاف القتل لاختارت الأسرا
وجافت رحاب الأرض من قتلائها ... ولكنها طابت لنا شقهًا نشرا
ولمّا أتى الفتّاح بالفتح نحونا ... شكرنا الذي يستوجب الحمد والشكرا
فحمدًا لمن أعلى منار نبيّه ... وشكرًا لسلطان أباد العدى قسرا
أجلّ الملوك النّاصر بن قلاون ... وأبركهم وجهًا وأرحبهم صدرا
لقد خلّف المنصور هديًا وهيبةً ... ومنقبةً طولى ومنقبة بكسرا
فلا زالت الأقدار طوع مراده ... ولا زال يعلو فوق هام السهى قدرا
وقال الفقيه عبد الواحد التبريزي - الخطيب بعجلون - قصيدة منها:
الله أكبر: جاء النصر والظفر ... والحمد الله، هذا كنت أنتظر
وأبرز القدر المحتوم بارئه ... سبحانه بيديه النفع والضرر
وهوّن الصعب بالفتح المبين لكم ... ربّ يهون عليه المقفل العسر
أين النجوم وتأثير القران وما ... تخرّصوا فيه من إفكٍ وما زجروا
قد دبّر الله أمرًا غير أمرهم ... وخاب ما زخرفوا فينا وما هجروا
وأقبل العسكر المنصور يقدمه ... من الملائك جند ليس تنحصر
كنانة الله مصر جندها ثبتت ... لا ريب فيه وجند الله تنتصر
ثاروا سراعًا إلى إدراك ثأرهم ... وهجّروا في طلاب المجد وابتكروا
وأسهروا أعينًا في الله ما رقدوا ... أكرم بقومٍ إذا نام الورى سهروا
وأوجفوا نفرًا بالخيل ملجمة ... وبالركاب وما ملوا ولا نفروا
حتى أتوا جلقا في يوم ملحمة ... فيه الأسود أسود الغاب تهتصر
والجو أغبر والتتار راجفة ... مثل الجراد على الدنيا قد انتشروا