وقال بيبرس: خرجوا ووصلوا نابلس، واتفقوا على التوجه إلى الملك المغيث بالكرك، فتوجهوا إليه وهم: الأمير ركن الدين بيبرس البندقدارى، والأمير سيف الدين قلاون الألفى، والأمير سيف الدين بلبان الرشيدى، وغيرهم، فأكرمهم الملك المغيث وقبلهم وبرَّهم ووصلهم، وإلتمسوا منه المساعدة على قصد الديار المصرية وإمدادهم بعسكر لتصير لهم يدٌ قويةٌ، فسير معهم عسكره حسبما سألوهُ، فساروا في نحو ألف فارس، وبلغ الخبر الأمير سيف الدين قطز والأمراء المصريين، فجردوا عسكرا إلى الصالحية.
وقال المؤيد: إلى العباسة، ووصل من البحرية جماعة مقفزين إلى القاهرة، منهم الأمير عز الدين الأفرم، فأكرموه وأفرجوا عن أملاكه.
فلما كان ليلة السبت الخامس والعشرين من ذي القعدة أقبلوا اليهم واتفقوا معهم، فانسكر البحرية ومن معهم من العسكر الكركى، وأُسِرَ الأمير سيف الدين قلاون الألفى، والأمير سيف الدين بلبان الرشيدى، وقتل الأمير سيف الدين بُلغان الأشرفى، وانهزم الباقون، وعادوا إلى الكرك وهم خائبون.
قال المؤيد: انهزم عسكر المغيث والبحريَّة وفيهم بيبرس البندقدارى الذى تسلطن بعد ذلك.
ولما حصل الأمير سيف الدين قلاون في الأسر ضمنه الأمير شرف الدين قيران المعزى، وهو يؤمذ أستادار السلطنة، فلم يعرض أحد إليه، وأقام بالقاهرة مدة يسيرة، ثم تسحب واختفى بالحُسيَنية عند شمس الدين قطليجا الرومى، وقصد اللحاق بخوشداشيته، فزوده وجهزه وسار إلى الكرك.
وحسَّن البحرية للمغيث قصد الديار المصرية وأطمعوه فيها. وكاتبه بعض أمرائها ووعدوه بانحيازهم إليه متى حضر بنفسه إليها، فقصدها في سنة ست وخمسين وستمائة.
ومنها: أنه وصل من الخليفة المستعصم بالله الخلعة والطوق والتقليد إلى الملك الناصر يوسف صاحب الشام كما وعده.
ومنها: أنه كانت فتنةٌ عظيمة ببغداد بين الرافضة وبين أهل السنة، فنهبت الكرخُ ودورُ الرافضة حتى دور قرابات الويزر ابن العلقمى، وكان ذلك من أقوى الأسباب في ممالأته للتار.
ومنها: أنه دخل الفقراء الحيدريَّة الشام، ومن شعارهم لبس الفراجى والطراطير، ويقصون لحاهم ويتركون شواربهم، وهو خلاف السنَّة، تركوها لمبايعة شيخهم حيدر حين أسرهَ الملاحدة، فقصوا لحيته وتركوا شواربه، فاقتدوا به في ذلك، وهو معذور مأجور، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وليس لهم فيه قدوة، وقد بُنيت زاوية بظاهر دمشق قريبًا من العونية.
ومنها: أنه ولى القضاء بالديار المصرية تاج الدين عبد الوهاب بن خلف العلائى المعروف بابن بنت الأعز، عوضًاعن القاضى بدر الدين السنجارى، رحمه الله.
وفيها:)(.
وفيها: حج بالناس). (.
الإمام الزاهد الشيخ تقى الدين عبد الرحمن بن أبي الفهم اليلدانى، توفى بقريته في ثامن ربيع الأول ودفن بها.
وكان شيخا صالحًا، مسندًا مشتغلًا بالحيدث سماعًا وكتابةً وإسماعًا إلى أن توفى، وله نحو من مائة سنة.
قال أبو شامة: أخبرنى أنه كان مراهقًا في سنة تسع وستين وخمسمائة حين طهرَّ نور الدين بن زنكى رحمه الله ولده، وأنه حضر الطهور، وأخبرنى أنه رأى النبيّ صلى الله عليه وسلم، وقال له يا رسول الله: بالله ما أنا رجل جَيّد. فقال: بلى، أنت رجل جيد.
الشيخ شرف الدين محمد بن أبي الفضل المرسى.
كان شيخا فاضلًا مفننًا، محقق البحث، كثير الحج، له مكانة عند الأكابر، وقد اقتنى كتبًا كثيرةً، وكان أكثر مقامه بالحجاز ومصر والشام، وحيث حلّ عظّمه رُؤساءُ تلك البلدة، وكان مقصدًا في أموره، وكانت وفاته بالزعقة بين العريش والداروم في منتصف ربيع الأول من هذه السنة، ودفن فيها.
البادرائى الشيخ نجم الدين عبد الله أبو محمد بن أبي الوفا بن الحسن بن عبد الله بن عثمان بن أبي الحسن بن حَسْنُون البغدادى البادرائى الشافعى، مدرس النظاميّة ببغداد، ورسول الخلافة إلى ملوك الآفاق في الأمور المهمّة، وإصلاح الأحوال المدلهمّة.
وقد كان فاضلًا بارعًا، رئيسًا متواضعًا، وقد ابتنى بدمشق مدرسة حسنة مكان دار الأمير أسامة، وشرط على المقيم بها العُزْبَة؛ ولكن حصل بسبب ذلك خلل كثير، وشرٌّ لبعضهم كبير.