وفيها: حج الأمير ركن الدين بيبرس أستاذ الدار في جماعة من ألزامه وخواصه، وكان رحيله من البركة مستهل ذي القعدة.
وقال بيبرس في تاريخه: فندبت للتقدم على الركب المصري وكان ركبًا كبيرًا، وقد جمع خلقًا كثيرًا.
وحج في هذه السنة ثلاثون أميرًا، وجعلوا ركبانًا ثلاثة يتعاقبون في المنازل والمراجل.
قال: ولما حصل اجتماعنا في الحرم الشريف حضر إثنان من أولاد الشريف نجم الدين بن نمي أحدهما يسمى عطيفة والآخر أبو الغيث، وشكوا إلى المقر المشار إليه بحضرة من حضر من الأمراء في أخويهما الكبيرين، وهما أسد الدين رميثة وعز الدين حميضة، وذكرا أنهما لما اتفقت وفاة والدهم الشريف ابن نمى في هذه السنة، وثبا عليهما وأساءا إليهما واعتقلاهما ظلمًا وبغضًا، فتحيلا وهربا من مكان سجنهما، وتوجها إلى بني عمهما أولاد إدريس بن قتادة، وأقاما عندهم، وسألا إنصافهما من أخويهما، ومقابلتهما بما جنياه عليهما، فاتفقت الآراء بإمساك رميثة وحميضة وتأديبهما بالسجن والعزل لإساءتهما على بني أبيهما، والجرأة عليهما وغير ذلك من أمور نقلت عنهما، فأمسكا، ونسبت إليهما ورتب المشار إليهما عطيفة وأبا الغيث عوضًا عنهما، وأحضرا هذان إلى الأبواب السلطانية واعتقلا مدة.
وقال صاحب نزهة الناظر: لما فرغ الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير من الوقوف بعرفة، ورجع إلى طواف الزيارة وطواف الوداع بعده، وقف له أبو الغيث وعطيفة وبقية إخوتهما من البنات، وشكوا من أخويهم حميضة ورميثة وبالغوا في الشكوى، فأرسل الأمير ركن الدين وراءهما، فحضرا بالحرم الشريف فقال لهم: اسمع يا حميضة لأي شيء تفعل كذا حتى يشكو منك أخويك؟ فأجابه بقوة نفس وقال: يا أمير نحن نفتصل مع إخوتنا، وأنتم قد قضيتم حجكم وجزيتم خيرًا، فلا تدخلوا بيننا. فغضب بيبرس لذلك غضبًا شديدًا، وأشار إلى الأمير سيف الدين طشتمر الجمقدار أن يلكمه، فلكمه فأرماه إلى الأرض، وما قام إلا وقد وجد روحه مكتفًا هو وأخاه، ووقع الصوت في الحرم بمسكهما، فتصايحت النسوان والعبيد، وطلعوا على البيوت وأسطحة الحرم بالأحجار، وركبت الأشراف والعبيد.
فلما رأت الأمراء ذلك أدركوا خيولهم وركبوها، وركّبوا الأميرين المذكورين مكتفين مزنجرين في رقابهما، وهم يصيحون يا لبني حسن، يا لبني أولاد نمى، فخرجت البنات من مكة وسبقت خيل الشرفاء، ومسكوا طرق الأبواب والأزقة، وسمعت أيضًا بقية الأمراء النازلين في الوطاق، فركبوا بالقسى والرماح، واستعدوا، ولما رأى بنو الحسن الجند والأمراء من خلفهم ومن بين أيديهم أخذ كل منهم في طريق، وخرج منهم نحو ثلاثة عشر نفرًا، وقتل ستة نفر، وقيل ثمان رءوس من الخيل، وخرجت جماعة من الذين على الأسطحة إلى أن خرجوا إلى المخيم وطلبوا أبا الغيث وعطيفة وولوهما مكة، وخلعوا عليهما ودخلوا بالممسوكين مصر مزنجرين وأودعا السجن مدة.
قال صاحب النزهة: وكان وصول الأمير ركن الدين بيبرس من الحجاز الشريف في أول المحرم من سنة اثنتين وسبعمائة، وكان خروجه من مصر نصف ذي القعدة، ووصل إلى مكة في التاسع والعشرين منه، فكان سفره أربعة عشر يومًا.
قلت: بيبرس هذا هو بيبرس الجاشنكير أحد أركان الدولة بمصر، وليس هو بيبرس الدوادار، فإن بيبرس الدوادار كان أمير الركب على ما ذكرنا عنه الآن، وقد ذكرنا أيضًا أنه ذكر أن بيبرس الجاشنكير قد رحل من البركة مستهل ذي القعدة، وهذا صاحب النزهة ذكر أنه رحل في نصف ذي القعدة وبينهما تفاوت كثير على ما لا يخفى.
الشيخ الإمام العالم العامل شرف الدين أبو الحسن علي بن الشيخ الإمام العلامة الحافظ تقي الدين أبي عبد الله بن أبي الحسين بن عبد الله بن عيسى ابن أحمد بن محمد بن محمد اليونيني البعلبكي.