فهرس الكتاب

الصفحة 89 من 894

ومن أمثلة هذا قول الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح:

"ومن بطّأ به عمله لم يُسرع به نسبه".

وقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح:

"لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ".

وقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح:

"أنْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا"قيل: كيف أنصره ظالمًا؟ قال:"تَحْجُزُهُ عَنِ الظُّلْمِ فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ".

فنبّه الرسول صلى الله عليه وسلم في هذه الأقوال على أفكار طريفة قلّما يتنبّه لها الذهن العادي، وقلّما تَخْطُر على البال، لا سيّما ماجاء في بيان نصر الظالم، فمن المثير للاستغراب دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى نُصْرَةِ إخواننا الظالمين، لكن من المريح والمثير للإِعجاب تفسير ذلك بَحَجْزِهِمْ عن الظلم، وكفِّهِمْ عن ممارسته والقيام به، لئلاّ يوقعهم في المهالك.

ومن الأمثلة أيضًا قول المتنبِّي:

*يَا مَنْ يَعِزُّ عَلَيْنَا أَنْ نُفَارِقَهُمْ * وِجدَانُنَا كُلَّ شَيْءٍ بَعْدَهُمْ عَدَمُ*

إنّ صدر هذا البيت يشتمل على معنى مبذول، يتداوله النّاس، وتستعمله الخاصّة والعامّة.

لكن لما جاء عجز البيت:"وِجْدَانُنَا كُلَّ شَيُءٍ بَعْدُهُمْ عَدَمُ". ارتقى الكلام ارتقاءً عاليًا، إذ جعل حيازته لكل شيء بعد مفارقة ممدوحه عدمًا أو بمثابة العدم، وهذا معنى دقيق قلّما يخطر على البال، فَنُدْرَةُ خُطُورِه على البال لدى معظم النّاس أَغْلَى قيمته الأدبيّة.

ونظير ذلك قوله في القصيدة نفسها:

*إِنْ كَانَ سَرّكُمُو مَا قَالَ حَاسِدُنَا * فَمَا لِجُرْحِ إِذَا أَرْضَاكُمُو أَلَمُ*

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت