فهرس الكتاب

الصفحة 74 من 894

إذن ينبغي للأديب أن يراعي ذلك في كلامه، وعليه أن يلاحظ باستمرار أنّ كبار البلغاء حينما يعطفون في كلامهم عن مجراه إلى صُوَر بلاغيّة يختارونها إنَّما يفعلون ذلك لأغراض فكريَّة بيانيَّة يهدفون إليها، ولا يكتفون باختيار الصُّوَر البلاغيّة لمجرّد أنَّها صور بلاغيّة، وهذا ما يعطي كلامهم ارتقاء أدبيًا عظميًا، وجمالًا مكثَّفًا مضاعفًا.

تاسعًا - الجمع بين الأشياء المتضادّة:

وقد يكون من عناصر الجمال الأدبي في الكلام الجمع بين الأشياء المتضادّة في صورة كلاميّة متناسقة.

وذلك لأنَّ الأضداد سريعة التخاطر في الأذهان، فإيرادها قد يُحْدِثُ ارتياحًا جماليًّا في النَّفس.

وفي الصُّوَر الحِسِّية مِشَاهِدُ للتضاد أمثال ذلك، فمن المشاهد الحسِّيَّة الجميلة مشهد جبل أجرد إلى جانب وادٍ أخضر فيه جنّات ألفاف. ومشهد قصر راسخ ثابت البنيان ضمن عاصفة هوجاء تقتلع ما على الأرض من أشجار وأكواخ وأشياء كثيرة. ومشهد سفينة ثابتة كالطُّوْد في خِضمّ بحرٍ هائج وعاصفة بحريّة ثائرة. ومشهد وجه منير كالبدر ضمن شعر منسابٍ كالليل.

والحسّ الذوّاق للجمال يتحكّم بإدراك التناسق أو التنافر في الصورة التي تجمع بين المتضادّات، إذ ليس كلّ جمع بين المتضادّات يُحْدِثُ هذا الارتياح النَّفسي.

فمثلًا: لا ترتاح النُّفوس لدى ذكر ما يثير تقزّزها ونفورها، وإن كان ذلك مقابل ذكر ضدّه أو نقيضه، إنّ ذكر المُحْزِنات لدى ذكر المُفْرِحات أمرٌ مستنكر تنفر منه الطباع، ما لم يكن عَرْضًا لمبادىء عامّة لها طابع التأمّل الفلسفي، وإنّ ذكر المستقذرات في مقابل الطيِّبات أمرٌ مستهجن تنفر منه النُّفوس ولا ترتاح له. وهكذا.

فمن أمثلة المزدان بعنصر الجمع بين الأضداد الذي يُحدث إعجابًا وارتياحًا في النفُّوس، ولا يُحدث نفورًا ولا انزعاجًا ولا تقزّزًا، مايلي:

(1) قول الله تعالى في سورة (النجم/ 53 مصحف/ 23 نزول) :

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت