إنَّ نسبة الجمال في الكلام ترتقي جدًا حينما نُدرك أنّ الأديب قد اختار الصورة البلاغيّة التي أوردها في كلامه لغرض فكريّ زائد على مجرّد اختيار صورة جماليّة بلاغيّة يذكرها علماء البلاغة.
إنَّ الصورة البلاغية مهما كانت جميلة في ذاتها تغدو كجسد بلا روح إذا كانت خالية من غرض فكري بياني تهدف إليه في البيان، باستثناء عناصر الجمال اللّفظي أو الموسيقي، والزِّينات التي لا تحتمل أداء غرض فكريّ بيانيّ.
ولدى بحث أيِّ جانب بلاغي في كلام رفيع من كلام البلغاء ينبغي البحث لاستجلاء الغرض الفكري من الصورة البلاغيّة، فليس المهم مجرّد الإِشارة إلى الصورة البلاغيّة، إنَّما المهم بعد ذلك هو استجلاء الغرض الفكري البياني من ورائها.
ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: {فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا} إنَّ الصورة البلاغيّة في النَّص تتلخَّص بإسناد السيلان إلى الوادي، مع أنّ المراد سيلان الماء فيه. فهل انتهينا من البحث.
إنَّ الذي يملك الحسَّ الأدبي الرفيع يقول: لا. لأنَّه يتساءل: ولماذا أسند السيلان إلى الوادي بدل إسناده إلى الماء؟ وما الدَّاعي إلى ذلك وما هو الغرض منه؟.
وبالتأمّل يجد الجواب على تساؤله، إذ يرى أنَّ الغرض الفكري البياني من هذا الإِسناد هو إعطاء السامع أو القارىء صورة تُشْعِرُ على سبيل التخيّل بأنَّ الوادي يسيل فعلًاَ لكثرة تدفّق الماء وارتفاع نسبته في جانبي الوادي.
وهذه الصورة قد تحدث في وهم الإِنسان أو في تخيّلاته حينما يشاهد هدير الماء الكثير الذي يغمر قدرًا كبيرًا من الوادي.
فالتعبير إذن تصوير صادق لما يَجْرِي في التخيُّل لدى مشاهدة الحدث المادي.