هؤلاء بزخرف الشِّعر الذين يملكون القدرة على صناعته والتأثير بفنونه إنَّما يتَّبعهم من النَّاس الذين سَفِهوا نفوسَهم، فخدعتهم الكلمة المزخرفة ولو كانت باطلًا وزُورًا، ودَعْوةً إلى الشَّرِّ والفساد في الأرض.
ومن هؤلاء شعراء الحانات، والمواخير، والليالي الحمراء، وشعراء الإِباحيّة، وشعراء المذاهب الضالّة الهدّامة.
أمّا الشُّعراء الذين يَلْبَسُون درع الاستثناء القرآني فقد برز منه في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم"حسّان بن ثابت - وعبدالله بن رواحة - وكعب بن مالك".
واتَّخذهم الرسول صلى الله عليه وسلم أسلحة بيانيّة أدبيّة ضدّ شعراء أهل الكُفر والشّرك بالله، وكان يستحثُّهم أحيانًا لمجاهدة الكفارين والمُشركين بشعرِهم.
وظهر في العصور الإِسلاميّة التالية شعر إسلامي كثير، ولكن ظلّت نسبة المبدعين من فحول الشّعراء في جانب الذين يَتَّبِعهم الغاوون هي النِّسبة الأكبر، أمّا الذين درْعَ الاستثناء القرآني فقد كان فيهم موهوبون ذوو قدرات عالية تؤهِّلهم لأن يكونوا من فحول الشُّعراء، إلاَّ أنَّهم فيما أرى آثروا الإِبداع في العلوم الإِسلامية والاشتغال بها عن توجيه كل اهتمامهم للشِّعر، فلم يُبَرِّزوا به كما برّز الآخرون.
وفي ظنِّي لو أراد الإِمام الشافعي أنْ يكون شاعرًا لبزّ أبا نواس في الشِّعر. ولكنّه آثر أنْ يكون عالمًا فقيهًا.
وقد تكون شدّة الحذر من الانزلاق بالشِّعر إلى فئة الّذين يتَّبعهم الغاوون قد كفَّت كثيرًا من الذين يملكون في فطرتهم القدرة الشِّعرية العالية عن أن يخوضوا بحور فنونه، ويستخدموه للدّعوة ويبلغوا فيه إلى مستوى فحول الشُّعراء.
ثامنًا - الغرض الفكري البياني من الصورة البلاغيّة المختارة:
ليس يكفي إيراد الكلام وفق صورة من الصُّوَر البلاغيّة التي يذكرها علماء البلاغة، بل لا بدّ من ملاحظة غرض فكريّ بياني تؤديه هذه الصورة المختارة.