إنَّ للموسيقى وموازنيها تأثيرًا مستعذبًا في النُّفوس، فإذا جاء الكلام موزونًا على بعض موازنيها الحلوة المستعذبة اكتَسَبَ حلاوة مُحبَّبَة.
ثم إذا توافرت في الكلام مع ذلك عناصر متلائمة من عناصر الجمال والكمال الأدبي ازداد الكلام حُسنًا وقوّة تأثير في النَّاس.
إنَّ الأشياء الجميلة التي تلامس مشاعر الإِنسان بمؤثراتها الحلوة من جانبين، هي أكثر تأثيرًا فيه من التي تلامس مشاعره من جانب واحد. وكلّما ازدادت الجوانب ازدادت قوّة التأثير، حتّى تصل إلى محاصرة الإِنسان من كل مشاعره الجسديّة والنفسيّة والفكرية والوجدانيّة، فيفقد عندئذٍ كل مقاومته، ويستسلم استسلامًا تامًّا، مستغرقًا في لذّات المشاعر الحُلوة.
إنَّه إذا اجتمع المنظر الجميل، والصوت الحَسَن، والرائحة الزّكية، والطعم اللّذيد، والملمس الحُلو الممتع، والرّاحة النّفسيّة، وكان الحديث أدبًا جميلًا رفيعًا، موضوعًا بقالب موسيقي شِعري، فقد حاصر الجمال معظم مشاعر الإِنسان، وأخذَ يهيْمن عليها بمؤثراته الحُلوة، حتى يَسْلُبَها كل مقاوماتها، فتستلم استسلامًا تامًّا.
ولمّا كانت النَّفس الإِنسانية تَطْرَبُ للموسيقى، وترتاح لموازينها الحُلوة، وكان الشِّعر كلامًا يجري في بعض جداولها، وعلى بعض موازنيها، كان للشعر تأثير حلو على النُّفوس الإِنسانية، ويظهر هذا حتى على الأطفال الصغار، الذين يظهر شعرٌ طفليّ على بعض جملهم التي يردّدونها أو يغنُّون بها.
ويتفاوت النَّاس في مدى إحساسهم بهذا النَّوع من أنواع الجمال في الوجود، وفي تذوُّقهم له، لذلك نلاحظ أنَّ بعض النّاس يتأثّرون بالشِّعر أكثر من بعض، مع وجود أصل التأثّر عند كل النّاس إلاَّ نادرًا.
وبعض النّاس لديه بالتكوين الفطري فِطْرَةُ نَظْم الكلام على ميزان شِعري.
وكلُّنا يعلم أنّ الكلام الموضوع في قالب ميزان شِعري أسرع إلى الحفظ، وأثبت في الذاكرة، وأسهل استدعاءً عند الحاجة.