ومن بُلغاء البيان مَنْ يكون لبعض كلامهم سطح وعمق، إلاَّ أنّ العمق لديهم سهل الاستخراج وقد يتنافى مع السطح.
إنّْ قول المتنبِّي لكافور الإِخشيدي:
*"لقد كنت أرجو أنْ أراك فأطربا"*.
له سطح يمدح به كافورًا، لكنَّ له عمقًا يسخر به منه.
سادسًا - أوجه النَّص:
ومنْ عناصر الجمال والكمال الأدبيّ الرفيع في الكلام أنْ يكون له عدّة أهداف، وهذه الأهداف كلُّها مقصودة به، ويظهر هذا بجلاء حينما يكون المخاطب بالكلام جماعة ذات فئات مختلفة، وعناصر متباينة.
فمن أمثلة النَّصّ ذي الهدف المزدوج أن يوجِّه ذو سلطان عدم تهديده الشديد للَّذين يخالفون أوامر مبعوث من قبله للقيام بمهمّة من المهمّات السلطانيّة، إنّنا نلاحظ في هذا النَّص التهديدي هدفين معًا:
أحدهما: تهديد الذين يخالفون.
وثانيهما: رفع معنويَّة المبعوث، وشدُّ أزره وشحذُ همّته للقيام بما بُعِثَ به أفضل وجه.
وقد يكون الكلام مثلّث الهدف، أو أكثر من ذلك، وكل صاحب علاقة يأخذ من النَّصّ ما يناسب حاله، ويكْثُر هذا في النُّصوص القرآنيّة، فقد يكون الكلام تهديدًا وتوعُّدًا للكافرين، ووعدًا للمؤمنين، وتربيةً وتأديبًا وتسلية للرسول صلوات الله وسلامه عليه.
ومن الأمثلة القرآنية على تَعَدُّد الهدف من النصّ قول الله عزّ وجلّ في سورة (الأنفال/ 8 مصحف/ 88 نزول) :
{وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُو?اْ إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ (59) } .
ففي هذا النصّ هدف إلقاء الوهن في قُلوب الكافرين، ولو عظمت قوّاتُهم. وهدف رفع مستوى القوى المعنوية في قلوب المؤمنين، وشحذُ همّتهم لإعداد القوى المادية التي يسبقون بها الذين كفروا تمهيدًا للتكليف بإعداد المستطاع من القوة الذي جاء في الآية التالية لهذا النص.
سابعًا - الشعر وفنونه:
ومن عناصر الجمال في الكلام أنْ يُرضي الحسّ الموسيقي في الإِنسان، ويدغدغه بإمتاع.