* فإِمَّا أن يكون سؤالًا عن سبب الحكم الذي تضمّنته الجملة السابقة بوجه عامّ، مثل قول الشاعر:
*قَالَ لِي: كَيْفَ أَنْتَ؟ قُلْتٌ: عَلِيلٌ * سَهَرٌ دَائِمٌ وَحُزْنٌ طَوِيلُ*
فجملة"سَهَرٌ دائم..."جلمةٌ استئنافية جاءت بدون عطف بالواو، إذْ وقَعَت جواب سؤالٍ تُثِيرُه جملة"أنا عَلِيل"لأنّ من طبيعة المتَلَقِّي أن تتحرّك نفسه بسؤالٍ مضمونه: ما سبَبُ كُوْنِكَ عليلًا؟ وأسْرَعَ المتكلم فأجاب على السؤال دون أن يُطرَحَ عليه، أي: أنا عاشقٌ بعيد عن محبوبه.
فالسؤال عن سبب حدوث العلّة المرضية هو سؤال عن السبب بوجه عامٍّ، إذ عادة الناس أنَّهم إذا قيل لهم: فلانٌ مريضٌ، قالوا: ما سبب مرضه؟.
* وإمّا أن يكون سؤالًا عن سبب خاص، مثل قول الله عزّ وجلّ في سورة (يوسف/ 12 مصحف/ 53 نزول) حكاية لمقالة يوسف عليه السلام:
{*وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ (53) } .
فجملة: {إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ} جملة مستأنفة وقعت جواب سؤال تثيره جملة {وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِي} .
لقد سبق هذه الآية بيان أن يوسف عليه السلام قال:
{ذالِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (52) } .
فَبَعْدَ أَنْ أعْلَنَ براءَتَهُ من الخيانةِ، واعترفَت امرأةُ العزيز بأنَّها هي التي راودَتْهُ عن نفسه، تتساءل النفس قائلة: ما الّذي جعل يوسف عليه السلام يقول: {وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِي} بعد أنْ ثبتت براءته وثبتت طهارتُه وعِفَّته، فما هو السبب الخاصُّ الذين جعله يقول هذا القول؟ وقد أسرع عليه السلام فأجاب على السؤال بقوله: {إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ} والسوءُ الذي حدّثته نفسه به ولم يَعْمَلْه، هو هَمُّهُ بضَرْبها بَعْد أنْ همَّتْ بضربه لمّا استعصم بالله، متعفّفًا عن الفاحشة.