وهذه الفكرة الأخرى إنّما يريد المتكلّم الإِشارة إليها من طرف خفي، ولا يريد التعبير عنها بأسلوب مباشر، لغرض بياني أو غرض تربوي، أو أي غرض آخر يقصده البلغاء.
فمع ما في هذا الأسلوب من دلالة على ذكاء من يستعمله، ومع ما فيه من مجال واسع لتفنّن أدبي لا حصر له من قِبَل نوابغ الأدباء، وعباقرة البلغاء والشعراء، فهو مجال لتحقيق أغراض كثيرة، منها الأغراض التالية:
(1) عدم مواجهة المخاطبين بما يراد إعلامهم به لدواع تربوية، أو لدواع نفسية، كعدم المواجهة بالتكليف، وعدم المواجهة بالنّقْد، وعدم المواجهة بالعتاب، وعدم المواجهة بالتلويم، وغير ذلك.
(2) إرضاء نفس من يخاطب به، إذ يشعر بأنّه محترم مقدّر مِنْ قِبَل من يخاطبه، فهو في نظره من مستوى الأذكياء وكبراء القوم الذي يخاطبون بإشارات الكلام وكناياته، ولا يحتاجون إلى صريح القول.
(3) إخفاء المراد على جمهور المستمعين، وإشعار المخاطب وحده بالرمز، لأغراض سياسيّة، أو عسكريّة أو تربويّة، أو نحوها.
كما وقع في غزوة الخندق، إذ بلغ الرسول صلى الله عليه وسلم أنّ بني قريظة نقضوا عهدهم، فأرسل وفدًا من الأنصار فيه سيِّدا الأوس والخزرج إلى كعب بن أسد القرظي سيِّد يهود بني قريضة ليستطلعوا الخبر، وقال لهم: انطلقوا حتّى تنظروا، أحقٌّ ما بلغنا عن هؤلاء القوم أمْ لا؟ فإنْ كان حقًا فالْحَنُوا لي لَحْنًا أعرفه، ولا تفتُّوا في أعضاد القوم (أي: تكلّموا بالرمز ولا تتكلّموا بصريح القول) .
وكذلك فعلوا لمّا علموا أنَّ بني قريضة قد نقضوا عهدهم حقًا. إنَّهم لمّا عادوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، سلَّموا عليه، ثمّ قالوا له: عَضَلٌ والْقَارَة. ففَهِم الرسول المراد، وعلم أنّ القوم قد غدروا كما غدرت عَضَلٌ والْقَارة بأصحاب الرجيع.
(4) التوصّل عن طريق اللّوازم العقلية إلى معان قد لايكن لها ألفاظ تدلّ عليها دلالة مباشرة,