هو من المجاز المُرسل بإطلاق الكلّ وإرادة البعض، ونحن حين نسمع هذا القول، ويسرع إلى تصوّرنا أنّ الإِصبع كلّها لا تدخل عادة في الأُذن، إنّما الذي يدخل منها رأس الأنملة فقط، نعلم أنَّ المراد أنَّهم يجعلون رؤوس أناملهم في آذانهم، ولكنْ لَمَسْنا ذلك من وراء فاصل، وهو هنا ساتر المجاز المرسل.
ومع لمسِ المراد من وراء الساتر أحسْنا بزينة خاصّة في هذا الساتر نفسه، وبفكره مضافة، وهي أنّهم يبالغون بضغط أصابعهم على آذانهم، فلو كان الواقع يسمح بدخولها كلّها في آذانهم لفعلوا من شدّة ذعرهم وحذرهم، وهذا معنى بديع يضفي على الكلام زينة حلوة.
وقول الله تعالى في سورة (الرعد/13 مصحف/96 نزول) :
{فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا...} [الآية:17] .
أسند فيه السيلان إلى الأودية، مع أنَّ السيلان للماء فيها، ولكنَّنا حين نقرأ أو نسمع هذا الكلام نلمَس المقصود به من وراء فاصل وهو ساتر المجاز، إِذْ أُسنِد السيلان للمحلّ، وهو هنا الأودية، ومع لمْس المراد من رواء الساتر نحسّ بزينة خاصّة في هذا الساتر، وبفكرة مضافة، وهي أنّ النّاظر إلى تدفّق الماء في الأودية، وتدافع أمواجه، يتوهّم في لحظات الانبهار أنّ الأودية تجري أيضًا مع الماء، وهذا معنى بديع يضفي على الكلام زينة حلوة، ويصوّر حالة التخيّل التي تعتري الناظرين المندهشين.
إنّ هذا الأسلوب الذي هو وسط بين الأسلوب المباشر السافر، والأسلوب غير المباشر، أسلوب يتّسع لإضافة زينات أدبيّة كثيرة، تضفي على الكلام جمالًا، ورَوْنقًا وبهاءً، مع ما في هذه الزينات من أفكار ودلالات يمكن إضافتها، ومن تصوير فنّيّ بديع يمكن أنْ يقدّمه الأديب البارع عن طريقها.
الأسلوب غير المباشر:
والأسلوب غير المباشر يكون بالتعبير عن فكرة لتفهم معها فكرة أخرى، عن طريق اللّوازم العقلية القريبة، أو متوسّطة القرب، أو البعيدة، أو شديدة البعد.