فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 894

وكثيراتً ما يحتال الإِنسان ليدلّ الآخرين على معنى لا يجد له في اللّغة لفظًا يدلّ عليه دلالة واضحة، إذْ يَلْحَظُ شبهًا قويًّا أو ضعيفًا بينه وبين شيء ممّا له في اللّغة لفظ يدلُّ عليه، فيستخدم اللّفظ الدالَّ على هذا الشبيه فيضرب مثلًا منه، وإذا كان هذا المعنى الشبيه قابلًا للتعميم، ثم التجريد من الحدود الحسّية إذا كان من الحسّيّات، فإنَّ الإِنسان يلجأ عادة إلى التعميم بملكة التعبير اللَّغويّة الموجودة في فطرته المكتسبة من مجتمعه، وعندئذٍ ينقل اللّفظ الموضوع أساسًا في عرف النّاس للمعنى الحسِّي، ويعمِّمه ثمّ يجرِّده من الحدود الحسِّيّة.

لقد كان الباب لفظًا دالاًّ في الحسِّيَّات على المدخل المخصّص وسط حاجز أو سُور، والذي يمكن فتحه وإغلاقه عند الحاجة، فيدخل منه الإِنسان هو وأشياؤه إلى دار أو بستان أو مدينة أو مغارة أو نحو ذلك، أو يخرج منه...

ثمّ لاحظ النّاس أنّ هذا المعنى إذا عُمِّم وجُرِّد من الحدود التي عرفوها عند الإطلاق الأوّل كان لفظ الباب قابلًا لأنْ يدلَّ على المنفذ الذي يدخل منه الطائر إلى عشِّه ويخرج منه، والّذي يدخل منه الحيوان إلى جُحْرِه ويخرج منه، وعلى الثَّقْب الذي تدخل منه النحلة إلى خليَّتها وتخرج منه.

ثم اتّسع التعميم فصار قابلًا لأنّ يدلَّ على حَواجِزَ في السحاب تحجز الأمطار عن الهطول، وربّما تكون هذه الحواجز طاقات ذاتَ أنظمة خاصّة، فإذا حُرِّكت هذه الحواجز تحريكًا يسمح بهطول الأمطار هطلت الأمطار. ومنه التعبير القرآني في سورة (القمر54) :

{فَفَتَحْنَآ أَبْوَابَ السَّمَآءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ (11) } .

ثم انتقل الذهن من التعميم إلى التجريد، فصار للرزق أبواب وهي أبواب معنويّة، وصار للعلم أبواب وهي أبواب معنويّة، ومن ذلك التعبير القرآني في سورة (الأنعام:6) :

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت