قال الْحَوْفِي: أصل أدوات النفي"لا"و"ما"لأنّ النفي إمّا في الماضي، وإمّا في المستقبل، والاستقبال أكثر من الماضي أبدًا. قال: و"لا"أخفّ من"ما"فوضعوا الأخفّ للأكثر، ثُمَّ إنّ النفي في الماضي إمّا أن يكون نفيًا واحدًا مستمرًا، أو نفيًا فيه أحكامٌ متعدّدة، وكذلك النفيُ في المستقبل، فصار النفي على أربعة أقسام، واختاروا له أرْبَعَ كلمات:"ما"و"لم"و"لن"و"لا".
وأمّا"إنْ"و"لمَّا"فليسا بأَصْلَيْن.
فـ"ما"و"لا"في الماضي والمستقبل متقابلان، و"لم"كأنَّه مأخوذٌ من"لا"و"ما"لأنّ"لم"نفي للاستقبال لفظًا، وللمضيّ معنًى، فأُخِذَ اللاَّمُ مِن"لا"الّتي هي لنفي المستقبل، والميم من"ما"التي هي لنفي الماضي، وجُمِعَ بينَهُما إشارةً إلى المستقبل والماضي، وقُدِّم اللاّم على الميم إشارة إلى أَنَّ"لا"هي أصل النفي، ولهذا يُنْفَى بها في أثناء الكلام، فيُقالُ: لم يفْعَلْ زيْدٌ ولاَ عَمْرو.
وأمّا"لَمَّا"فَتَرْكيبٌ بعْدَ تَرْكيب، كأنّه قَالَ:"لَمْ"و"ما"لتوكيد معنى النفي في الماضي، وتفيد الاستقبال أيضًا، ولهذا تُفِيد"لمّا"الاستمرار.
أقول: كلامُ الْحَوْفِي رَأيٌ في تحليل الوضع اللّغوي، إلاَّ أنّ اللّغات يَصْعُبُ الجزم بتعليل أوضاعها، إلاَّ ما كان منها متبادرًا لِلْفَهْم، أو خاضعًا لمقاييس تجريبيّة.
قضايا حول النفي في الجملة
القضيةُ الأولى: نفيُ الذَّاتِ الموصُوفة قَدْ يكونُ نَفْيًا للصفة دون الذّات، وقد يكون نفيًا للذّاتِ والصفة معًا.
(1) فمن أمثلة نفي الصفة دُونَ الذّات، قول الله عزّ وجلّ في سورة (الأنبياء/ 21 مصحف/ 73 نزول) بشأن الرُّسُلِ من البشر:
{وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لاَّ يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُواْ خَالِدِينَ (8) } .
فالنفْيُ في هذه الآيَةِ مُسَلَّطٌ علَى عدم أكلهم للطعام لا عَلَى كَوْنِهِمْ جَسَدًا، فهم جَسَدٌ وَيَأْكُلُونَ الطَّعَام.