فهرس الكتاب

الصفحة 684 من 3875

"فَصْلٌ": وَلَمَّا عَلِمَ مُنْذِرُ بن سَعِيدٍ قَاضِي الْجَمَاعَةِ بِقُرْطُبَةِ، أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ النَّاصِرِ بَنَى مَدِينَةَ الزَّهْرَاءِ وَوَضَعَ فِيهَا الصَّرْحَ الْمُمَرْدَ، وَاتَّخَذَ لِقُبْتِهِ قَرَامِيدَ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضْةِ.

فَغَضِبَ الشَّيْخُ لِذَلِكَ، وَتَأَلَّمَ لِهَذَا الْبَذَخِ فِي مَالِ الدَّوْلَةِ وَعَلِمَ أَنَّهُ الْمَسْؤُولُ الأَوْلُ أَمَامَ بَدِيعِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَأَنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَنْهِي عَنْ هَذَا السَّرْفِ الْمُضِرِّ بِصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ.

فَجَاءَ إِلَى النَّاصِر وَقَبَّحَ عَمَلَهُ هَذَا وَانَّبَهَ بِقَوْلِهِ: مَا ظَنَنْتُ أَنَّ الشَّيْطَانَ أَخَزَاهُ اللهُ بَلَغَ بِكَ هَذَا الْمَبْلَغَ، وَلا أَنْ تُمَكِّنَهُ مِنْ قِيَادِكَ هَذَا التَّمْكِين حَتَّى أَنْزَلَكَ اللهُ مَنَازِلَ الْكَافِرِينَ مَعَ مَا آتَاكَ اللهُ وَفَضَّلَكَ عَلَى الْعَالَمِينَ.

فَاقْشَعَرَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ النَّاصِر مِنْ قَوْلِ الشَّيْخِ وَقَالَ لَهُ: أنْظُرْ مَاذَا تَقُولُُ؟ كَيْفَ أَنْزَلَنِي مَنَازِلَهُمْ؟ قَالَ: نَعَمْ ألَيْسَ اللهُ تَعَالَى يَقُولُ: {وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِؤُونَ * وَزُخْرُفًا وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالآخِرَة عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ} .

فَسَكَتَ النَّاصِرُ وَنَكَّسَ رَأْسَهُ سَاعَةً، وَاغْرَوْرَقَتْ عَيْنَاهُ مِنَ البُكَاءِ وَصَارَتْ دُمُوعُهُ تَجْرِي عَلَى خَدَّيْهِ وَلِحْيَتِهِ، خَوْفًا مِنَ اللهِ حَيْثُ وَصَلَتْ الْمَوْعِظَةُ الْخَالِصَةُ إِلَى قَلْبِهُ، وَتَأَثّرًا عَظِيمًا لأَنَّهَا مِنْ قَلْبٍ إِلَى قَلْبٍ.

ثُمَّ قَالَ لِلْشَيْخِ: جَزَاكَ اللهُ عَنَّا وَعَنِ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا، وَأَكْثَرَ فِينَا مِنْ أَمْثَالِكَ، فالَّذِي نَطَقْتَ بِهِ حَقٌّ وَاللهِ وَقَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ يَلْهَجُ بِالاسْتِغْفَارِ ثُمَّ أَمَر بِنَقْصِ سَقْفِ الْقُبَّةِ، وَعَادَ قَرَامِيدُهَا تُرَابًا.

فَتَأَمَّلْ يَا أَخِي كَيْفَ أَنَّ سُلْطَانَ الدُّنْيَا وَالْمَادَةِ وَقَفَ خَاشِعًا أَمَامَ هَذَا العَالِمِ الَّذِي لا تَأْخُذُهُ فِي اللهِ لَوْمَةَ لائِمٍ الَّذِي أَدَّى وَاجِبَهُ عَلَى الْوَجْهِ الأَكْمَلِ مُعْتَمِدًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت