.. وَإِنَّكَ أَعْلَى الْمُرْسَلِينَ مَكَانَةً
وَأَنْتَ لَهُمْ شَمْسُ وَهُمْ كَالثَّوَاقِبِ
وَصَلِّ إِلَهِي كَلَّمَا ذَرَّ شَارِقٌ
عَلَى خَاتِمِ الرُّسُلِ الْكِرَامِ الأَطَايِبِ
اللَّهُمَّ يا من خلق الإنسان في أحسن تقويم وبقدرته التي لا يعجزها شيء يحيي العظام وهي رميم. نسألك أن تهدينا إلى صراطك المستقيم صراط الَّذِينَ أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وأن تغفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فَصْلٌ)
ومن الأدلة والبراهين والقرائن الدالة على صدق الرسل كلهم ما ذكره صاحب البرهان القاطع رحمه الله.
فأولها أنهم من أعدل الناس طريقة وأصدقهم لهجة وأكثرهم وقارًا وأقلهم طيشًا. وأزهدهم في المال والجاه وأرفضهم لحب الدعة والراحة. قد خبروا على طول الزمن، واشتدت عليهم المحن، واعتورت أحوالهم طوارق الفتن، وتفاقم في الكناية لهم كيد ذوي الإحن. فما لينت الشدائد منهم صلبًا لا فترت المكايد لهم عزمًا بل كانوا كسبيكة الذهب وفلذة الياقوت. كلما إزدادت النار لها أكلا إزدادت على طول السبِكَ حسنًا، لا حافوا في حكم على عدو ولا شهدوا بغير الحق لصديق.
قام نوح عليه ألف سنة إلا خمسين عامًا بين ظهراني قومه وعشيرته وحماته من العدو وملاذه فنابذهم وجانبهم وضللهم وكفرهم، حتَّى كانوا يضربونه ويهينونه ويؤذنه بأنواع الأذى ويمقتونه، ولا يحصل له بذلك غرض دنيوي ولا مقصد عاجل، ولا له في ذلك هوى ولا شهوة. وهذا مُحَمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ آلِهِ وَسَلَّمَ عرضت عليه قريش المال والزوجة والجاه والرياسة ويترك ما يدعيه من تسفيه حلوم آبائه، وتعنيف الأَحْيَاءِ وَالْمَيِّتِينَ من عشيرته. فلم يرفع إلى كلامهم رأسًا، ولم يلتفت إلى مقالتهم أصلًا وما أحسن البيت المشهور: