فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ مِنْ يَوْمِ الْفَتْحِ قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَمَجَّدَهُ بِمَا هُوَ أَهْلُه ثُمَّ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللهَ حَرَّمَ مَكَّةَ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، فَهِيَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللهِ إِلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَلا يَحِلُّ لامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخرِ أَنْ يَسْفِكَ فِيهَا دَمًا أَوْ يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةً، فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ بِقِتَالِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُولُوا: إِنَّ اللهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكَ، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةٌ مِنْ نَهَارٍ، وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالأَمْسِ، فَلْيُبَلِغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ )) .
وَلَمَّا فَتَحَ اللهُ مَكَّةَ عَلَى رَسُولِهِ - وَهِيَ بَلَدُهُ وَوَطَنُهُ وَمَوْلِدُهُ - قَالَ الأَنْصَارُ فِيمَا بَيْنَهُمْ: أَتَرَوْنَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ أَرْضَهُ وَبَلَدَهُ، يُحِبُّ أَنْ يُقِيمَ بِهَا وَهُوَ يَدْعُو عَلَى الصَّفَا، رَافِعًا يَدَيْهِ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ دُعَائِهِ قَالَ: «مَاذَا قُلْتُمْ )) ؟ قَالُوا: لا شَيْء يَا رَسُول اللهِ، فَلَمْ يَزَلْ بِهِمْ حَتَّى اخْبَرُوه فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( مَعَاذَ اللهِ، الْمَحْيَا مَحْيَاكُمْ وَالْمَمَاتُ مِمَاتُكُمْ» .
شِعْرًا: ... إِذَا كُنْتَ في دَارٍ وَضَامَكَ أَهْلُهَا ... وَقَلْبُكَ مَشْغُوفٌ بِهَا فَتَغَرَّبِ
فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ لَمْ يَسْتَقِمْ لَهُ ... بِمَكَّةَ أَمْرٌ فَاسْتَقَامَ بِيَثْرِبِ
وَقَالَ آخر مُتَذَكِّرًا وَطَنَهُ وَمَسْقطَ رَأْسِهِ في الْقَصِيم في عُنَيْزَةَ:
وَأَذْكُرُ أَيَّامَ الْقَصِيمِ فَأَنْثَنِي ... عَلَى كَبَدِي مِنْ خَشْيِةَ أَنْ تَصَدَّعَا
بَكَتْ عَيْنِي الْيُمْنَى فَلَمَّا نَهَيْتُهَا ... عَنِ الْجَهْلَ بَعْدَ الْحِلْم أَسْبَلَتَا مَعَا
فَلَيْتَ عَشِيَّاتِ الْقَصِيمِ رَوَاجِعٌ ... عَلَيَّ وَلَكِنْ خَلِّ عَيْنَيْكَ تَدْمَعَا
وَلا سِسَّمَا دَارًا تُسَمَّى عُنَيْزَةً ... قَضَيْتَ بَهَا عَشْرًا وَأَرْبَعَا
آخر: ... إِذَا خِفْتَ مِنْ دَارٍ هَوَانًا فَوَلِّهَا ... سِوَاكَ وَعَنْ دَارِ الأَذَى فَتَحَوَّلِ