الصفحة 23 من 79

في العهود القريبة الماضية ابتُليت الديار بسنين من الشدة واللأواء، وسنوات من الفقر والقلة، وأحوال من الضعف والعيلَة والخوف والتشرد، وقد كان الناس في إيمانهم أحسن حالًا، وبربهم أقوى اتصالًا، ثم أبدل الله الخوف أمنًا، والفقر غنى، والفرقة اجتماعًا، فلله الحمدُ والمنة.

غير أن بعض الأخلاف نبتت فيهم نوابت، ونشأت فيهم فئات، لما توالت عليهم النعماء، وانتشر فيهم الرخاء ظهرت فيهم الغفلة فنسبوا النعم إلى غير مُولِيها، وتوجهوا بالشكر إلى غير مُسْدِيها، وما فقهوا قول الله - عز وجل: {ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوا وَّقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ} [الأعراف: 95] .

فيهم من كانت دنياه على حساب دينه، وفيهم من يتبع الشهوات ويأكل ألوانًا من الحرام والباطل، وفيهم من يستحل الأموال العامة بأدنى الحيل، وارتقى أفرادٌ على أكتاف عامَّةٍ ضعفاء، ثم صاحَبَ ذلك غفلةٌ عن آيات الله وسننه في كونه وما يُرسِلُه من آياتٍ ونُذُر تخويفًا واعتبارًا، وتذكيرًا وادِّكارًا.

كيف يكون ذلك - رحمكم الله - وقد جاء في خبر الصحيحين عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا عصفت الريح قال: «اللهم إني أسألُك خيرَها وخيرَ ما فِيها وخيْرَ ما أُرْسِلَتْ به، وأعوذُ بك من شرِّها وشرِّ ما فِيها وشرِّ ما أُرسِلَتْ به» ، وإذا تخيَّلَت السماء تغيَّر لونُه، وخرجَ ودخل، وأقْبلَ وأدْبر، فإذا مُطرَت سُرِّي عنْه، فسأَلَتْه عائشة - رضي الله عنها - فقال: «لعله يا عائشة كما قال قوم عاد: {فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الأحقاف: 24] الآيات.

واقرأوا إن شئتم: {وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا} [الإسراء: 59] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت