و يشهد له ما رواه البخاري في جزء رفع اليدين (60) من طريق ليث عن عطاء قال:"رأيت جابر بن عبد الله وأبا سعيد الخدري وابن عباس وابن الزبير يرفعون أيديهم حين يفتتحون الصلاة وإذا ركعوا وإذا رفعوا رؤوسهم من الركوع"
هذا فيما يتعلق بالأخبار المرفوعة و الموقوفة، و قد ظهر بالبيان و الدليل أنّ واحدًا منها لم يثبت فيه الرفع في غير المواطن الأربعة ... و أما الآثار المتعلقة ببعض السلف من التابعين و الأئمة ممّن ذكرهم الشيخ الألباني رحمه الله على أنهم كانوا يذهبون إلى الرفع في السجود و مع كل تكبيرة، فالشأن فيها كسابقها، كلها على نسق واحد، و معنى واحد، و هذه بعضها:
-عن الربيع بن صبيح قال:"رأيت الحسن ومجاهدا وعطاء وطاوسا وقيس بن سعد والحسن بن مسلم يرفعون أيديهم إذا ركعوا وإذا سجدوا"أخرجه البخاري في جزء (رفع اليدين) من طريق وكيع ...
و قوله"إذا سجدوا"لا يعني السجود كما يتبادر من ظاهر اللفظ، بل يعني الرفع الذي يليه السجود. و يتجلى هذا المعنى عند جمع ألفاظ الخبر؛
ففي رواية أبي النصرعن الربيع:"يرفعون أيديهم عند الركوع، و عند الرفع منه"أخرجها الأثرم كما في التمهيد ...
و في رواية عبد الرحمن بن مهدي عن الربيع:"إذا افتتحوا الصلاة رفعوا أيديهم وإذا ركعوا وإذا رفعوا رؤوسهم من الركوع"أخرجه البخاري في (رفع اليدين -66) ...
و هذا هو الذي عناه عبد الرحمن بن مهدي بقوله:"هذا من السنة"، و ليس كما أوهم كلام الشيخ الألباني رحمه الله ...
-عن عكرمة بن عمار، قال:"قال رأيت القاسم وطاوسا ومكحولا وعبد الله بن دينار وسالما يرفعون أيديهم إذا استقبل أحدهم الصلاة وعند الركوع والسجود"رواه البخاري في (رفع اليدين -68) من طريق عمر بن يونس ...
و هذا اللفظ ليس فيه ما يوهم من ظاهره، سوى أن الرفع إنما كان قبل الركوع و قبل السجود.
و قد رواه البخاري في موضع آخر من جزءه المذكور آنفًا (61) من طريق عبد الله بن المبارك بلفظ:"يرفعون أيديهم في الصلاة إذا ركعوا و إذا رفعوا"
-خبر طاوس: المحفوظ عن طاوس و غيره من التابعين أن مذهبهم في هذا، هو مذهب الصحابة، الموافق لما نقلوه عنهم من الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه و سلم.
فقد روى أحمد (5033) و البخاري في (جزءه -74) و ابن عبد البر، عن الحكم قال:"رأيت طاوسا حين يفتتح الصلاة يرفع يديه وحين يركع وحين يرفع رأسه من الركوع"
و قدمرّ ذكر طاوس في جملة مَن ذكرهم (عكرمة) و (عمار) ، ممّن يرفعون أيديهم في المواطن الثلاثة ... فاجعله ببال.
و هكذا، فإنه لا يمكن أن نهتدي إلى المراد من لفظ من الألفاظ - و الشأن أنها متحدة المخرج - إلا بعد جمعها، و النظر في المعنى الذي تلتئم به و تتوافق عليه. و من الخطأ التعامل مع كل رواية على حدة كما لو أنها حديث منعزل، ذلك لأنّ الرواة أحيانًا يروون بالمعنى و يتصرفون في اللفظ. انظر على سبيل المثال؛
رواية محمد بن الفضل عن عاصم بن كليب عن محارب بن دثار عن ابن عمر رضي الله عنهما قال:"رأيته يرفع يديه في الركوع و السجود"، هذا لفظ ابن أبي شيبة (2439)
و رواه أبو يعلى (5670) حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، حدثنا محمد بن الفضل به."أنه كان يرفع كلما ركع و كلما رفع"
فـ (ركع) في هذه الرواية، تقابل (الركوع) في الرواية الأولى. و (رفع) ههنا، تقابل (السجود) هناك ...
و رواه أحمد (6328) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا محمد بن فضيل به."يرفع يديه كلما ركع و كلما رفع رأسه من الركوع"و هذه بيّنت ما أجمل من (الرفع) في الرواية السابقة، على أنه من الركوع ...
و هذا اللفظ هو أتمّها و أوفاها، و قد تابع عاصمًا، عبد الواحد بن زياد عن محارب بن دثار قال:"رأيت عبد الله بن عمر إذا افتتح الصلاة كبر ورفع يديه، وإذا أراد أن يركع رفع يديه، وإذا رفع رأسه من الركوع"أخرجه البخاري في جزء (رفع اليدين-47) من طريق أبي النعمان.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)