1 _ عندما يتسلم طالب التحويل الشيك مثلًا، أو يتسلم الإشعار بأن المصرف المأمور قد أبرق للمصرف المحوَّل إليه (المراسل) ، أو اتصل به هاتفيًا، وأمر بصرف المبلغ حالًا للمستفيد، فإن القبض يتم حالًا [50] بمجرد الانتهاء من عملية التحويل، وبتاريخ اليوم الذي تم فيه الصرف، وأن طالب التحويل يستطيع في اليوم نفسه أن يذهب للجهة المحول عليها، ويقبض المبلغ بدون تأخير.
أما إذا قام المصرف بتأريخ الشيك بعد شهر، أو أبرق إلى المصرف الآخر بتسليم طالب التحويل المبلغ بعد شهر مثلًا، فلا يجوز ذلك لكونه لا يعتبر قبضًا؛ حيث إن تاريخ القبض قد تأخر [51] .
2 _ القياس على ما كان يحصل من عبد الله بن الزبير ـ رضي الله عنهما ـ عندما كان يأخذ النقود من التجار بمكة، فيكتب سفتجة لهم إلى الكوفة أو البصرة، فإن ما يحصل اليوم من أخذ البنك النقود من طالب التحويل وتسليم شيك، بشرط أن يكون الشيك بتاريخ اليوم وسعر صرف اليوم، وهو عين ما كان يفعله ابن الزبير، فإن قبض الشيك يقوم مقام قبض محتواه، فهو كالنقود [52] .
3 _ الاستدلال بقول شيخ الإسلام ابن تيمية"الأسماء تعرف حدودها تارة بالشرع، كالصلاة والصيام والحج، وتارة باللغة كالشمس والقمر والبر والبحر، وتارة بالعرف كالقبض والتفريق" [53] وقوله"المرجع في القبض إلى عرف الناس وعادتهم من غير حد يستوي فيه جميع الناس في جميع الأحوال والأوقات" [54] .
فإذا كان القبض مرده إلى العرف، فالشيك هو الذي تعارفت المصارف على نقل ملكية النقود به، وإذا تعارف الناس على نقل هذه الملكية بالتلكس، أو الفاكس، أو البريد الإلكتروني مثلًا، فإن هذا يكون قبضًا في عرفهم.
ويمكن أن يتوصل الناس إلى وسائل أخرى تنتقل بها ملكية النقود، فتقوم هذه الوسائل مقام قبض النقود ذاتها [55] .
ب ـ أدلة القول الثاني:
استدل القائلون بوجوب انفصال عملية الصرف عن التحويل، على أن يكون الصرف على أساس التقابض الناجز، بما يلي:
1 ـ ما رواه مسلم في صحيحه عن مالك بن أوس أنه قال:"أقبلت أقول من يصطرف الدراهم؟ فقال طلحة بن عبيد الله (وهو عند عمر بن الخطاب) : أرنا ذهبك، ثم ائتنا إذا جاء خادمنا نعطِك ورِقك، فقال عمر بن الخطاب: كلا، والله، لتعطينه ورِقه، أو لتردنَّ إليه ذهبه، فإن رسول الله § قال:"الورِق بالذهب، ربًا إلا هاء وهاء، والبر بالبر ربًا، إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير ربًا إلا هاء وهاء، والتمر بالتمر ربا إلا هاء وهاء" [56] ."
وجه الدلالة: إن عمر ـ رضي الله عنه ـ أنكر على طلحة فعله، وبين له حقيقة القبض، وقد قال العلماء في قوله § (هاء وهاء) ، خذ وهات، كناية عن التقابض في المجلس، فهذا هو القبض الشرعي في الصرف خذ وهات حتى لا يكون فيه تأخير، فلو كان هناك قبض آخر لذكره [57] .
2 ـ"إن صح اعتبار الشيك قبضًا بالنسبة للحوالة، فلا يمكن اعتبار ذلك قبضًا بالنسبة للصرف الشرعي؛ لأن شرط جواز الصرف التقابض في المجلس، والشيك في حد ذاته ليس هو مقابل بدل الصرف، بل نائبًا عنه، ويلزم لقبض قيمة ما أثبت فيه مفارقة المجلس قبل القبض الحقيقي للنقود، فلا يقوم مقام بدل الصرف في المجلس، فلا يعتبر قبضه قبضًا في الصرف" [58] .
ج ـ أدلة القول الثالث:
استدل القائلون بوجوب الفصل بين عملية الصرف وعملية التحويل، وأنه يكفي القبض الحكمي في الصرف بما يلي:
1 _ استدلوا على وجوب الفصل بالأدلة العامة التي تفيد عدم جواز بيع الحاضر بالغائب في الصرف، والتي استدل بها أصحاب القول الثاني.
2 _ استدلوا على أنه يكفي القبض الحكمي في الصرف بما استدل به أصحاب القول الأول من أن قبض الشيك أو نحوه قائم مقام بدل الصرف، ولكن بشروط ثلاثة كالتالي:
أ) أن يكون الشيك مؤرخًا بتاريخ اليوم التي تمَّ فيه الصرف.
ب) أن يكون المسحوب عليه مليئًا يستطيع أن يفي بقيمة المبلغ المحوَّل إليه.
ج) أن يكون الشيك مكتوبًا بكامل المبلغ الذي تمَّ الاتفاق عليه [59] .
رابعاُ: مناقشة الأدلة:
أ ـ مناقشة أدلة القول الأول:
نوقشت أدلة القائلين بصحة اجتماع الصرف مع الحوالة كما هي على حالها في البنوك من وجهين:
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)