هي التي فتن بها أكثر البشر، ولم يسلم منها أهل شريعة سماوية خالطوا المشركين وعاشروهم، فقد دخلوا في الشرك من حيث لا يشعرون لأنهم لم يتخذوا معبودات المشركين شفعاء ووسطاء، بل اتخذوا أنبياءهم ورؤساءهم وظنوا أن هذا تعظيم لهم لا ينافي التوحيد ... وقد اغتروا بظواهر الألفاظ، وجعلوا تسمية الشيء بغير اسمه إخراجًا له عن حقيقته، فهم قد عبدوا غير الله، ولكنهم لم يسموا عملهم عبادة، بل أطلقوا عليه لفظًا آخر كالاستشفاع والتوسل، واتخذوا غير الله إلهًا وربًا، ومنهم من لم يسمه بذلك، بل سموه شفيعًا ووسيلة ..."1."
وبين الشيخ رشيد بطلان هذه الشفاعة الوثنية التي كان يثبتها المشركون لأصنامهم، وتبعهم فيها غيرهم، ولكن أثبتوها لأنبيائهم وصلحائهم، فقال:"... وأما مسألة الشفاعة التي كان مشركو العرب يثبتونها لمعبوداتهم في الدنيا، وأهل الكتاب يثبتونها لأنبيائهم وقديسيهم في الدنيا والآخرة، فقد نفاها القرآن وأبطلها، وأثبت أن الشفاعة لله جميعًا، وأنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ. وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ} 2 ... ومنه: أن الشفاعة الثابتة في الأحاديث غير الشفاعة الوثنية والنصرانية المنفية في القرآن، وقد قرر هذه المسألة في بضع وعشرين آية من السور المكية والمدنية.."3.ويؤكد الشيخ رشيد على هذا المعنى فيقول:"... الشفاعة الممنوعة هي ما حكاه القرآن العزيز عن المشركين وهي التي بمعنى الشفاعة عند الحكام لقضاء المصالح عند العجز من طرقها وأسبابها، والشفاعة الجائزة خاصة بالآخرة: وهي عبارة عن دعاء الشافع المشفع يأذن به الله ويستجيبه إظهارًا لكرامة عبده الشفيع ... فالشافع لم يغير شيئًا من"
1 تفسير المنار (2/ 353)
2 سورة الأنبياء، الآية
3 الوحي المحمدي (ص: 201 ـ 202)