قال: فبماذا أجبتها؟ قلت: بقول جرير:
ثقى بالله ليس له شريك ... ومن عند الخليفة بالنّجاح [1]
قال: ثق بالنجاح إن شاء الله تعالى. ثم قال الواثق: أفدنا شيئا. فقلت:
يا أمير المؤمنين، أقول كما قال الشاعر:
لا تغلواها وادلواها دلوا ... إن مع اليوم أخاه غدوا [2]
أراد أبو عثمان: ارفق بى، ولا تستعجل عليّ. فقال: يكفينا من الفائدة تفسير هذين البيتين. فقلت: معنى قوله: لا تغلواها، أى لا تعنفا بها. يقال:
غلوت الإبل غلوا، إذا حثثتها في السير، ودلوتها، إذا رفقت بها. وقوله:
«غدوا» إنما المستعمل منه غد، لأنه على حرفين، مثل: يد، وما أشبهه.
وأصله: غدو، فحذفت منه الواو، فلما اضطر إليه الشاعر ردّه إلى أصله.
فقال: يكفينا هذا. وأمرنى فنزلت وأكرمت، ثم جلس مجلسا آخر وأحضرت الجارية وأبو محمد التوزي، فغنّت البيت:
* أظلوم إنّ مصابكم رجلا *
فردّ عليها أبو محمد أن ترفع «رجلا» . فقلت له: كيف تقول: إنّ ضربك زيدا معجب لى؟ فقال أبو محمد: حسبى، وأمرها: أن تنصب «رجلا» .
وسألنى الواثق الإقامة بحضرته، فاعتذرت له إليه. فأمر لى بعشرة آلاف
(1) البيت من قصيدة له في مدح عبد الملك بن مروان، مطلعها:
أتصحو بل فؤادك غير صاح ... عشية هم صحبك بالرواح
(2) انظر الحاشية (1ص 40)