وما فعل أصحاب الأحد في المسيح، وسيرهم فيه بالعنق الفسيح، وقولهم في الحىّ الواحد القيّوم، هو ثلاثة أقانيم يوصف بأقنوم، وأب وابن وروح
قدس، وكلّ يدين بتظنّن وحدس، وحججهم من الإنجيل، وضلّ عن قصد السّبيل كلّ جيل.
وما فعلت منهم اليعقوبية، فيما جعلت لعيسى من الرّبوبية زعمت أنه كان قديما لا في مكان، ثم تجسّم فصار جسدا ذا أركان، وأنه قادر على الزّيادة في الذّات، ليصل بذلك إلى اللّذات ونفوا عنه بذلك وهن العجز، وما يختصّ بغيره من المنع والحجز، لأنه القادر على ما يشاء، لا يتعذّر عليه الفعل والانشاء.
وما فعلت النّسطورية منهم في صفات اللاهوت، واستتاره ببدن النّاسوت، وقولهم في الماسح والممسوح، ولم يزل الجهل نازلا بكل سوح.
وما فعلت الفلاسفة في ضرب المزاهر، والاطناب في الأعراض والجواهر، ووصف المركّب والبسيط، وما ظفروا من الدين بفسيط، وإقدامهم على إبطال الشرائع، وقولهم بتدبير الأربع الطبائع، وقد قالوا مع الأربع بخامس، كقول هرمس الهرامس وأكثر الفلاسفة، على غير الطريق عاسفة، وفى أباض من الحيرة راسفة، وشموسها المنيرة كاسفه.
وما فعلت الهيولانيّة في قدم الهيولىّ الّذي هو عندهم أصل الأشياء، ومدبر للموات والأحياء، بتحريك قوّة في الجوهر أصليّة، قديمة أزليه، تجعل الميت ناطقا من الحيوان، وتنفرد بتدبير هذه الأكوان وقولهم بقدم الجوهر القابل للأعراض، والصحاح أشبه شيء بالمراض، وقيل هى مقالة أرسطاطاليس، ومن اطّلع على الأغنياء وجدهم مفاليس.
وما فعل أصحاب التناسخ في تنقل الأرواح في الأجساد، وصلاحها بعد الفساد، ومثوبة المحسنين بالأبدان الإنسية، والهياكل الحسية، وعقوبة المقدمين على الجرائم، بأبدان أعجم البهائم، ودوام الدنيا على الأبد، وما للمثرين من سبد ولا لبد وقيل هى مقالة بزر جمهر بن بختكان، وكم انقاد للغىّ حكيم واستكان.
وما فعلت في تعطيلها الزنادقة، وفصلت في أحكامها المزادكة، زعموا أن
أهل الأرض في الأرزاق متظالمون، وأنهم بين النّاس في ذلك حاكمون، يقسّمون الأرزاق بالسّويّة، ولا يجيزون الأثرة باللويّة.