وفي قصة إسلام كعب: قال كعب الحبر: كان أبي أعلم الناس بما أنزل الله على موسى بن عمران صلوات الله عليه، فكان لم يدخر عني شيئًا ما كان يعلم، فلما حضره الموت دعاني فقال: يا بني، إنك قد علمت أني لم أدخر عنك شيئًا مما كنت أعلم إلا أني حبست عنك ورقتين فيهما ذكر نبي يبعث.
وقد أطل زمانه، وقد جعلتها في هذه الكوة التي ترى، وظننت عليهما، فإذا يرد الله بك خيرًا، وخرج ذلك النبي تتبعه، ثم أنه مات فدفناه، ولم يكن شيء أحب إلى الله من المأتم حتى أنظر ما في الورقتين.
فلما انقضى المأثم فتحت الكوة ثم استخرجت الورقتين فإذا فيها.
محمد رسول الله.
خاتم النبيين، لا نبي بعده، مولده بمكة، ومهاجره طيبة، لا فظ ولا غليظ، ولا صخاب في الأسواق، ويجري بالحسنة، ويعفو أو يصفح أمته الحامدون، يحمدون الله على كل حال بذلك ألسنتهم بالتكبير، وينصر نبيهم على من ناوأهم، يغسلون فروجهم ويأتزرون على أوساطهم، أناجيلهم صدورهم، وتراجمهم بينهم، وهم أول من يدخل الجنة يوم القيامة من الأمم.
فلما قرأت ذلك قلت في نفسي: وهل علمني أبي شيئًا خيرًا من هذا.
فمكثت بذلك ما شاء الله، ثم بلغني أن النبي - صلى الله عليه وسلّم - خرج بمكة، فهو يظهر مرة ويستخفى أخرى.
فقلت: هوذا.
فلم يزل كذلك حتى قيل لي: أتى المدينة، ثم بلغني بعد، أنه توفي.
فقلت في نفسي.
لا أدخل في هذا الدين حتى أعلم أنهم الذين أرجأوا وأنظر سيرتهم وأعمالهم.
فلم أزل أدافع ذلك وأؤخر بلا سبب، حتى قدم علينا عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
فلما رأيتهم ووفاءهم بالعهد وما صنع الله لهم على الأعداء، علمت أنهم الذين كنت أنتظر، فحدثت نفسي بالدخول في دينهم، فوالله إني ذات ليلة في سطحي، إذا رجل من المسلمين يتلو قول الله - عز وجل - «يا أيها الذين أوتوا الكتاب، آمنوا بما نزلنا مصدقًا لما معكم من قبل أن نطمس وجوهًا فنردها على أدبارها، أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت، وكان أمر الله مفعولًا.
فلما سمعت هذه الآية حسبت أني لا أصبح حتى يحول وجهي في قفاي.
فما كان شيء أحب إلي من الصباح، فغدوت على المسلمين، فقال كعب: وقلت لعمر بالشام: انه مكتوب في هذه الكتب أن هذه البلاد التي كانت لبني إسرائيل، أهلها مفتوحة على يد رجل من الصالحين، رحيم بالمؤمنين، شديد على الكفارين، سره مثل علانيته وقوله لا يخالف فعله، والقريب والبعيد سواء في الحق عنده، اتباعه رهبان في الليل، وأسد بالنهار، متراحمون متواصلون متبارون.